طشة

على شط الشابي وقف هاشم يبكي مدينته ..
يبكي حالها وأحوالها ومألت إليه اليوم..  يبكي بحرقة وغضب على مافعله الذواح فيها .. هاشم شاب ثلاثيني أسمر البشرة قصير ورفيع الجسم يقطن في شقة صغيرة رفقة أمه وأخوته الصغار بمنطقة السبالة  إعتاد الناس أن يروه بسرواله المقبع من الأسفل .. وقميصه المقبع من الأكمام .. ولكي لا أخفي عليكم شئ أعتادو أن ينادونه بهاشم “طشة”  ..  ذهب يوماً بسيارته “النيسان ميكرا” يجوب شوارع مدينته بحثاً عن أي شخص يريد كورسة ((سيارة أجرة))  فهذه هو عمله الذي يجني منه مردودا مالياً بسيطا  لتوفير حاجياته الشخصية بدون الإتكال على أهله متوسطي الدخل ..  يجوب الشوارع منذ ساعتين ولم يجد أي زبون يستمر في الذواحان حتى إستقر به المطاف في وسط المدينة .. ركن سيارته ونزل يتفقد جيبه الذي لم يجد به إلا ديناران ونصف فقط ..  أخذ يتمشى في الطرقات على رجليه مر في طريقه على دكان السجائر وأشترى سجائره نوع ” أمريكانا” بدينار ومن بعده مر على مقهى ليشتري كوب “مكياطة ” زيادة حليب وقارورة مياه .. ليحدد وجهته نحو شط الشابي حيث قرر أن يمضي عشيته هناك .. ظل ” شبشبه ”  الأصبع يصدر صوت التمخيط الناتج من إحتكاكه بإسفلت الشارع حتى وصل لكورنيش شط الشابي وهناك جلس يحتسي قهوته ويدخن سجائره ويقيد أحوال الناس الذى وجد في أعينهم البؤس الذي لم يتغير .. هموم الدنيا من الفقر للإذلال في عيونهم .. على يمينه يجلس شخصان يتبادلان الهدرزة  والشكوة .. من حال مدينتهم الواقف بسبب الحرب لا دراسة ولا عمل ولا أي شئ سوى وقف الحال ..

يتبع..

Advertisements

سبسي الليل

نهاية اليوم .. لا زلت في البلكوني وقد قارب شحن الموبايل على النفاذ .. أخر سبسي من القرطاس .. وأخر كيس من  شاي الزنجبيل الأنجليزي .. لا أعكرش القرطاس .. بل أضعه بهدوء وسط زملائه في السطل .. الولاعة تتمحقن على السبسي ولا تريد إشعاله .. أنا أستجديها .. وفمي يستجديها .. وماتبقى من عقلي يستجديها ..
أما السبسي الأخير فهو لايستجديها فقط .. بل يركع لها ويبكي بعبرته أن تشعله .. لكي يموت ..  فقد مل حياته الطويلة .. من موظف المصنع الأجرب .. حتى حودة المصري الذي إبتاع لي القرطاس .. السباسي لا تحب الحياة ولا تتمسك بها .. بل بمجرد أن تتزاوج النار يبدء العد التنازلي لموتها وهي فرحة .. مثل الأعزب الجضران الذي تنتهي حريته وسعادته بزواجه ..  البشر بهائم ﻷنهم يحبون الحياة الدنيا ..
الدنيا لم تخلق لنحبها .. بل خلقت لنعاديها ونتحداها وأول شروط التحدي هي أن تكرهها .
أنا لم أكتب هذه الكلام في كامل وعيي .. جوربي العفن “المطوح” في البلكوني رائحته لها مفعول غريب .. تذهب العقل وتسحره .. هي كاصيحات الصافي التى أسمعها الأن وهو يقسم أن العقل لن ينسى ريده .. وأن أصعب صبر هو صبر العاشقين .. وأن عيون عشيقته السمرة سود من مولاهن .. والله أنك أيها الأسود صاحب العقل المدفون في زناقي الوحيشي أصدق من عرفت والأعذب صوتا والأرقى فكراً .. أخر جبدة تتبعها أخر رشفة.
إنتهى.