هدف غير محسوب بداعي التسلل.

الثالثة من صباح السبت الرابع عشر فبراير ..
إطفاء تام و جاري إرجاع الأحمال من جديد،كان هذه أخر ما قراءت على صفحة “الشركة العامة للكهرباء -بنغازي”
قبل أن يقوم والدي بالإطفاء التام على منزلنا بـ إيقاف تشغيل مولد الكهرباء الإحتياطي خوفاً من نفاذ البنزين.
درجة الحرارة ٧ مئوية إنها ما يعرف بـ قرة العنز حيث نُقل عن قدماء الليبين أنها أشد أيام العام برداً حيث جرت العادة أن تعد ربات البيوت وجبات الحساء الساخن و الدشيشة و المقطع “بالقديد و عصبان السمس” في هذه الأيام ، وهذه ما أعدته أمي على عشاء اليوم بسرعة فائقة لتمم إستعداداتها لمشاهدة حلقة اليوم من برنامج المبعر “محمد أمطلل”.
إبتعدت عن أمي و امطللها و همت أجهز و أعدل بعض الصور التي إلتقطتها اليوم بتظاهرة شعبية وسط بنغازي اليوم و سرقت مني بعض الوقت لأقلبج صفحات الأخبار.

قناص يتمركز فوق عمارة بوعشرين بالصابري و أخر يتمركز فوق عمارة الخليج وأخر أخرق ضرب واجهة مبنى البلدية إيبان العهد الإيطالي بمقذوف فى صارت دواخل المبنى عريانة مكشوفة للعيان،أحدهم يتباكى على هذه المباني ذات القيمة التاريخية والعمرانية للمدينة و أخر يتهكم عليه قائلاً : الإعمار ساهل.
متناسياً أن الخراب أسهل بطبيعة الحال فيرد عليه الأول بأنه شخص سطحي و لايملك إنتماء لهذه الأرض.
كِلى طرفي هذه النقاش مخطئين فقد أخطئ الثاني بتتفيه حجم الدمار و الضرر و الإنقاص من خطورته و التقليل من القيم التاريخية و العمرانية،نعم الإعمار سهل ولكنه يحتاج لـ أموال كثيرة و يحتاج لمنظومة عمل مثابرة تخلو من الفساد الإداري و المالي و تدرك جيداً أحجام الأضرار و الدمار المادي و المعنوي ، وقد أخطئ الثاني لعدة أسباب أهمها أن الإعمار سهل إذا توفرت الإحتياجات التي ذكرتها مسبقاً والخطاء الأخر هو إقصاء الطرف الأخر من دائرة المنتمين لهذه الأرض.
في تعريفي الشخصي الإنتماء الجهوي او الوطني للمدينة أو البلد  هو إنتماء غير مادي بل هو إنتماء حسي للذكريات و اللحظات و المواقف التي عاصرها و عاشها الإنسان في بقعة من إرض على مرة زمن معين،أما من يعرف الإنتماء للتراب أو الماء هو سطحي فلو عاد بك الزمن لوطنك قبل أن يتم تعميره و وجدت شوارعه على حال أخر والتي ستتوه فيها لأنك لا تعرفها و وجدت أناس يتصرفون بـ أفعال ليس كـ تصرفات أبناء وطنك ويتكلمون بلهجة ليست هي لهجة أبناء وطنك، سوف تضجر و تتعصب وتبحث عن أي طريقة للهروب من هذه المكان رغم أن التراب نفسه و الماء نفسه لكن لايوجد ما يربطك بهذه المكان،لاتوجد ذكريات و لا مواقف ولا أي شيئ يثير فيك شعور الإنتماء لهذه البقعة من الأرض.
إن المهاجرين من بنغازي في هذه الوقت من الحرب يختلفون بأسبابهم على فكرة الهجرة،فبعضهم من عديمي الإنتماء الذين يبحثون على العيش و المتعة و الرفاهية فقط وهؤلاء سيضجرون و يعودون سريعاً،وبعضهم من ذوي الأحساسيس العالية التي من صعب عليهم أن يتعايشوا مع الوضع الجديد بعد دمار أقدم أحياء بنغازي و أبرز معالمها،وبعضهم من من يسابقون الزمن فلا يريدون تفويت فرصة تطوير ذاتهم دراسياً و مهنياً وهم يعلمون جيداً أن بنغازي ستعود ولكنهم يريدون أن يكونوا مكتملي التقويم عند عودتها.
سأتجنب الحديث عن باقي أنواع المهاجرين حتى لا يزعل بعض الأصدقاء من فئة الحكاكي.
حقيقاً أنا لا أرفض فكرة الهجرة المؤقتة خاصة بعد مضي و إنتهاء الحرب،ربما لا أملك المال و لا جواز السفر و لا الإمكنايات. لكن جزء كبير من عقلي يخبرني بأن فرصتي و مصلحتي و إمكانياتي سأجدها هنا و ستأتيني راكعة وسأتي ربي راكعاً شاكراً على هذه الفرصة الذهبية لأسجلها داعياً من قلبي أن لا يكون هدفاً غير محسوب بداعي التسلل.

إنتهى

Advertisements