شواهد

في بيتنا .. في رمضان .. مقالي .. مشاوي .. محاشي .. و مخاشي من أن تأتيك المنية بسبب طهقة محارب بقنابر الهاون.
هنا بنغازي .. هنا أكتب .. هنا أحدثكم عن رمضان بعيداً عن ذكريات سوق الحوت و شمال المدينة القديمة فهو وقوف على الأطلال فقط لا غير.
بعد العصر خرجت من منزلنا المتواضع رغبتاً في المشي و لقضاء أكبر قدر ممكن من الوقت حتى يأتي موعد الإفطار و أذان المغرب.
أخذت في المشي مروراً بدكاكين المواد الغذائية و بائعي الخبز و الخبيز .. باعة التمر يجنون ذهباً هذه الأيام .. زادني الصيام فضولاً لأمر بكشك يبيع الحشيش فقط.
توقعت أن أجده مغلقاً قبل الإفطار .. فخالفني التوقع و وجدته يرش الماء و يسقي شتلات زرعها أمام كشكه و ينظفه .. أما المارة من العوام و رجال الأمن فيطلقون عليه التحايا و كأنه “دكان خضار”.
عجيب أمرك ي بلد .. تجاوزته .. اللهم إنِ صائم .. إستمريت فالمشي .. إستوقفتني خيمة صغيرة على الرصيف .. يديرها طفل لم يتعدى الثمان عشر ربيعاً .. قال لي : أظنك “حشاش” أيه الدب فما رائيك بكيس من المخللات المشكلة صحبة كيس من الهريسة العربية الممزوجة بالليمون شديد الحموضة.
و لمن يتسأل عن معنى مصطلح “حشاش” فهي كلمة بنغازية تعني غالباً مشتهي الأطعمة و المشروبات من الصائمين و الذين قد يدفعون الغالي و النفيس  و يقطوع ألاف الأمتار للحصول على الشئ الذي رغبت فيه نفوسهم.
أخذت منه كيسا الهريسة و المخللات .. و مضيت .. عبرت شوارع عدة .. أتمعن في وجوه الخلقْ اراقب كل تفاصيلهم ساءلاً خالقهم أن يكفيني شرهم .. رأيت كل أنواع البشر .. السعيد و الحزين و الغني و الفقير و الشاحب و المنير.
قراءت شواهد المدينة في نفوس قاطينيها .. و من يحاربون لأجلها و من يظنون أنهم يحاربون لأجلها.
الحرب في رمضان هادئة .. من يدعون أنهم جند الله يقولون انه شهر الفتوحات .. لم نرى منهم لا فتوحات و لا عصبة يجلسون عليها يوم يؤتونهم أهل الحق من دبرهم.
قرب أذان المغرب .. و أنا ضمئان .. في الطريق للمنزل .. أنا قريب منه .. كاد العطش أن يتمكن مني لولا تلك الطفلة التي تبسمت لي من زجاج سيارتهم رغم أنني في الانطباع الأول من النادر أن يتبسم لي شخص .. تلك الطفلة روتني بوسعة ابتسامتها فذهب دونها الضمئ و العطش .. و صار إفطاري تمرتان مع ابتسامة طفلة.

Advertisements