في شهر الكانون

وقد جربنا كل شيئ .. النوم دون الجوارب .. كأس اللبن الساخن ..  إطفاء الأنوار .. و لكننا لا نبت أن نتقلب كثيراً و نفكر في ماذا يحمل لنا الغد .. و قد حاولت قذائف الهاون و الغراد و الراجمات شغلنا عن ذلك التقلب و التفكير و لكنها لم تنجح .. لا أقصد أنها ليست بذات الإهتمام و الشغف .. أعني أنه ثمة أشياء أكثر ضجراً و أجيجاً أصبحت تشغل بالنا .. أعني أنها أكثر ضجراً و مللاً من هذه الحرب. و رغم أنها ليلة رأس السنة و الكهرباء مقطوعة منذ البارحة و لا وجود للخبز ولا البنزين ولا غاز الطهي .. إلا أننا نفكر كثيراً.

جلسنا في دائرة أسرية في صالة المنزل .. يتوسطنا “الكانون” و في شهر الكانون كان الشتاء قارص .. و كانت الليالي الكوالح و الطوالح .. أعدت أمي براد الشاي الأخضر على الكانون .. سخنت بضع كسرات من خبز منزلي على الكانون أيضاً قبل أن نغمسه في زيت الزتون الممزوج بالزعتر و نقضم حبات الزيتون برفق.

و كان الظلام ضيفاً ثقيلا .. لم يرد المغادرة .. و حرمنا من كل شئ .. إلا المطر .. الذي رقصنا تحته رقصة الديك المذبوح و التانغو .. و لكنها إنقطعت هي الأخرى حتى أصابنا الملل و قد قمنا بمخاطبة الفريق الأول أكثر من مرة .. فقط في سرنا .. أن يُسرع من رثم هذه الحرب حتى لا نموت مللاً ..

و حتى لا يموت الملل منا فقد أشعلنا شمعة قبل أن تنطفئ السنة .. و إنطفئت الشمعة و أشتعل العام .. و أشتعلت بنغازي من جديد .. و صارت رماد بعد حين .. و ربما قد تكون عنقاء .. ذات اليمامة و النورين .. و قد كانت هي حبيبة الصالحين في وقت ليس بقريب .. مهجة القلب و قرة الأعين .. تؤتي أكلها كل حين.

و إنتهت سنة أربعة عشر و ألفان

و إنتهت سنة خمسة عشر و ألفان

و قد مضت بسرعة .. لا زلت أكتب قليلاً .. لا زلت أقراء قليلاً .. و لا زلت لا أكتب جيداً .. أعني ليس أفضل من ذي قبل .. و رغم أن الحياة أصبحت أشبه بسوق النخاسة إلا أنها لازالت تحمل بعض المتعة التي تميزنا عن الأموات .. ضيوف القبور .. و الذين أعرف منهم الكثيرين.

أقصد أنني أشتاق إليهم كلهم .. رغم كثرة المعارف إلا أن مكانة ضيوف القبور لا يأخذها أحد .. تظل كما هي .. فروح و لو إنفصلت عن النفس و الجسد تظل حية.

ولا زلت أشتاق إلى بنغازي .. كثيراً .. و إلى تلك الفتاة التي راقصتها مرة أو إثنتان .. ثم إفترقنا عن قرب .. و تواصلنا عن بعد .. و مرت السنة على خير .. و مت سنة على شر .. و لازلت أراقص طيفها في منامي  و سأفعل أبداً .. كل سنة و في كل رأس سنة.

ولا زال الصافي يطربني فقط .. و يغنيني عن الإستماع للباقي .. طيبة موسيقاه و كلماته لن تعود من جديد أبداً .. و لن يفعل أي أحد ذلك من بعده.

Advertisements

قصة الطفل الذي صار تيساً

أتذكر ذاك اليوم حين أشتريت الفطور من مقصف المدرسة أول مرة .. حين ناولت ذلك الشخص القمحي القصير خمسون قرش .. حين ناولني سندوتش الفاصوليا بالكرشة و زجاجة المشروب الغازي .. شعرت بالإستقلال و بأنني حرّ .. شعرت بأنني أحدد مصيري بنفسي.. فقط بشراء الإفطار من المقصف.

و عندما كان جرس الإفطار يُقرع كانت كساعة القيامة .. كل الأطفال يجرون نحو الطابور .. والكل خائف من أن لايراه المشرف في غير صفه .. فتية يلعبون الكرة بعلبة عصير تركوها و أخذوا يجرون للإصطفاف في الطابور .. بضعة فتيات مشطن شعرهن كالأحصنة تركن لعبة “النقيزة” و قفز الحبل و أخذن بالجري نحو الطابور .. الكل خائف و الكل لاهم له سوى نفسه .. مشرف الساحة دخلها بصحبة خرطوم من اللدائن يُسمع منه صوت الصفير حال تحريكه بسرعة في حركة رأسية عادة مايفعلها المشرف كإشارة تهديد .. كإشارة وعيد .. و كنت أشاهد كل شيئ بحركة بطيئة .. شارد في تلك القيامة المُصغرة ..  حتى بدأت الحركة تسرع شيئ فشيئ .. أي حتى وجدت نفسي في وسط الساحة .. و الكل مصطف في الطابور .. أخذ المشرف يجلدني كأنني لم أجتاز السراط المستقيم .. كان يُخرج كل عقده في جلدة واحدة .. كان يصب جام غضبه علي .. و كنت حينها أبكي .. بشدة .. وكنت أشفق على نفسي من سوء الموقف حين سمعت ضحكات باقي الأطفال و أنا أُجلد و أبكي .. و يستمر الجلاد في جلدي .. و تستمر عيناي في البكاء .. حتى وصل قمة نشوته .. و كأن جبل من الغضب كان على كتفيه فأزاله فجأة ..  وتحول في ثوان إلى صورة إنسان عادي .. رجل عادي .. و قال لي بأدب و بصوت منخفض .. إذهب و أغسل وجهك .. ولا تعيد الكرة .. ولا تبكي مرة أخرى فالرجال لايبكون.

ثم فلت له في سري أنني طفل و لم أصر رجلاً بعد .. لكنني فهمت أن أولى جلدتاه لي كانت لأجل أنه غاضب .. أما الباقي فكانت لأجل بكائي .. حتى حين كبرت لم أعرف أحداً قط يجلد طفلاً لأنه يبكي و لأن الرجال لايبكون و لأن الطفل رجل  في عرفه فقد فعل فعلته التي أصدر تشريعها قانون الجهل.

ومنذ ذلك اليوم لم أعد أشتري إفطاري من المقصف .. وعادت أمي تحدد ما أتناوله على الإفطار في المدرسة .. ولا حق لي في تحديد مصيري .. ولا إستقلالية  لي في الإفطار .. و لم أبكي منذ ذلك اليوم أمام أحد .. فالرجال لايبكون ولو كانوا أطفالاً .. حتى كبرت و صرت تيساً كبيراً ..  لم أبكي أمام أحد .. إلا أمام ذلك الطفل حبيس جسد التيس الكبير و الرجل الصغير.

في بنغازي ولو قلتم بدعة

فوج من البشر .. ألاف الرؤس بأجساد تلبس الأبيض .. تتقدمها رايات شهدت أن لا إله إلا الله و أن محمدً عبد و رسوله تدعوا بالرضى على علي و عمر و أبي بكر و عثمان .. نساء تطلق زغاريت لأحباب نبيهم الأتون و الماضون في طريقهم إلى ميدان البلدية وسط بنغازي .. على طريقة العارف بدين الله القطب الظاهر سيدي محمد بن عيسى ينشدون كلمات يدمي القلب لها نقاوة و تدمع العينان لها شوقاً لمن يصلون عليه و لم يروه يؤمنون به و لم يروه و الأهم أنهم يحبونه و لم يروه..

يا ذروة المعالي يا أبا الخير

باب النجّاح والفلاح

الكامل المكمّل يا مجلي الضير

أراك عدّتي وسلاحي

شمس الأفلاك في البطاح

وقد كنت مع والدي يومها .. أحمل قنديلاً مزركشاً مليئاً بألوان عدة .. كنت أفرح بذلك الشئ البسيط و أكاد أموت سعادة .. دخلنا في حشد أخر من البشر القادمين من شارع عمر المختار قاصدين ميدان البلدية أيضاً وسط بنغازي .. يرشون علينا مياه النسري و التي قراؤ عليها بضعة أيات من الكتاب الكريم و كانت المياه منعشة و أظنها محسناً الظن أنها لم تكن مجرد مياه .. تناولنا البسيسة و الحلوة و أغرقنا أنفسنا في عصائر مزهرة بمياه الورد .. و أخذوا يقولون عنا أوراد الذكر و سيرة النبي محمد

ياآمنة بشراك

سبحان من أعطاك

لحملك بمحمد

رب السما هناك

بالمصطفى سعدك غلب

لما حملت في رجب

ولم تري منه تعب

هذا نبي زاك

و كانت السماء صافية و كان الكل سعداء و لم تكن للحى وجود و لم يكن القائلون الغير العاملين بالدين موجودين و لم يكن أتباع أل سعود موجدين و كان هذا التاريخ ..

و كان هذا ماورثه سكان بنغازي عن أجداد أجدادهم .. إبتداء من سيدي خريبيش و غازي و يونس و حسين و عبيد .. حتى سيدي منصور و خليفة و غيرهم من أولياء الله الصالحين الذين نشروا الإسلام و تعاليم دينه الصحيحة النقية و المنطقية في هذه المدينة.

أقصد ما أقوله عندما أقول ذلك .. إن أكثر ما جلب المضرة إلى دين الإسلام كان منذ بداية إنتشار فكر محمد عبد الوهاب فيه .. و كان تزمتاً تحول إلى غلو و الذي نتج عنه التطرف ..

و هكذا كانت بنغازي .. قبة خضراء تراها بجانب المنارة على بُعد نظرك في شاطئ الشابي .. و قد كانت مراكز تعليم القرأن و تحفيظه في الزواية منذ زمن .. و لا أقول بأن التصوف فكرياً لم يشوه و لا أقول أنه لم يخلوا من المؤثرات و الشوائب التي أفسدته و ساعدت في إفساد العقيدة الإسلامية .. و لكن الإحتفال بمولد النبي الكريم ليس مناسبة دينية بل هو عادة إجتماعية توارثنها عن أهالينا فلماذا تكون بدعة ولا يكن الإحتفال بأعياد الإستقلال و الأعياد الوطنية بدعة؟

أعني لاضير في وجبة العصيدة .. ولاضير في الأوراد و الذكر .. ولا في ترتيل سيرة النبي محمد .. ولا ضير للإسلام في شئ لايحمل السلاح ولا يكفر أحداً ولا يدعوا إلا للحب و السلام ولا ينادي الا بالجنة و لايدعو إلا بالخير.

و مايثير إستغرابي و حيرتي كيف لتلك الوجوه التي كانت تحمل الدف و الطبول في مثل هذه اليوم أن تحمل فكراً متطرفاً؟

أعني كيف لأبناء سوق الحوت و الصابري و خريبيش أكثر أحياء المدينة تصوفاً أن يحملوا فكر التكفير و الغلو؟

وكيف يقتلوننا بإسم هذا الدين الذي تشربنا تعالميه جيداً و نحسن التعامل بها جيداً؟

و ربما تكون الإجابة واحدة فقط .. أن بنغازي لم تتغير اليوم .. و لم تتغير بالأمس .. بل يبدوا أنها تغيرت منذ زمن و لكننا لم نتفطن بها إلا متأخرين .. و لكنها لن تدوم كذلك .. سنصحوا مبكراً غداً و سنكنس شوارع المدينة و ننظفها جيداً و نعيد بناء الزوايا و مراكز التحفيظ و سنحتفل بميلاد نبينا كما عهدنا و سنشرب على ذكره مدامة و سنصفها جيداً بأنها  صفاء ولا ماء و أنها لطف و لا هوى و نور و لا نار و روح ولا جسم.. و سنهنئ بعضنا بإبتسامة و نودع بعضنا بإبتسامة و سنقول هانحن العاملين بسيرة محمد مبتسمون رغم الحرب و رغم الضير و الأسى و الدم  فسنحييها ولو قلتم بدعة.

و قد قامت حرب

و قد قامت حرب

و قد سالت دماء

و أُلتقطت صورة

و طُبعت بجواز

و أصبح العالم ينبذنا

بعدما كان لايعرفنا فقط.

لكننا لم نمت

لكننا لم نحيا

لا زلنا نغمس الخبز في الشاي

لا زلنا نسقي الخبز بمرق الطبيخ

ولا زال طبيخنا شديد الحرارة

ولا زال وطننا شديد المرارة

ورفعت الغطاء عن الوعاء

و وجدت تٌطبخ

تذوقتها ثلاث مرات

وكان طعمها لاذع

و كان طعمها قارص

و في الثالثة كانت بلا طعم

و قد كنت صغيراً

وقد رأيت الرجل يُذبح

و قد رأيت المرأة تُنكح

و قد رأيت فلان لغير الله يركع

و قد كنت أنا صغيراً

و قد كانت بنغازي كذلك

و قد صرت أنا بغلاً كبيراً

ولكن بنغازي صغرت على عكس ذلك

و الخبز إنقطع

و الشاي ما عاد من يسكبه يفعل

و لم نجد الحطب للطبيخ

و لم نجد للجوع طبيخ

ثم لم نجد للحياة معنى

و لم نجد معنى لأي شي

 

ترى متى أعود صغيراً و تعود بنغازي كبيرة؟

 

تحية الخبث و كفى

 

تحية طيبة و بعد .. تحية الخبث و كفى .. تحية الموت من بائعي الحياة .. و تحيا دولة الفقراء

تحية المجد لمن يصنعونه .. تحية القصف لمن يحترفونه .. و تحية حمراء لمن يقتلوننا كل يوم.

ألف تحية و نيف لحلفائنا من الأموات .. و بضع تحايا و بصقة على أعدائنا من الأحياء.

وقد عدنا للحياة من جديد .. بعدما إحتلت البراغيث رؤسنا و هجم جيش من القمل على بصلات حياتنا .. قضمها كلها مرة واحدة .. و لم يترك شيئ .. لم يترك نواة .. لم يترك بذرة .. قد تكبر و تصير شجرة .. طيبة .. خبيثة .. لايهم .. مايهم أن أصلها ثابت و فرعها في السماء .. حيث إدريس و عيسى .. و حيث طائرة الميغ 21 تستعد لتوجيه لكمة نحو الحنك .. محمد علي كلاي .. نسيم حميد ..  وزن الريشة .. ولا وزن لنصر الحرب الطائلة .. و قد إشترينا يومها كتاب .. لم تجف أوراقه بعد .. لا زالت مبللة بالحبر .. ولا زال الحبر من دمي .. و الروح من كبدي .. و الرقص على طبلي .. كديك مذبوح .. أقيم عليه الحد .. أما حد الله فلا زال قابعاً بيننا و بين الحرام .. و ربما بين الحلال .. حرام محلل و حلال محرم .. ولا تنسى أن تذكر في الكتاب أن بنغازي تطلقت .. و أزالت رحمها بمقلاع .. كاوة الملح هي أرض بور .. لا زراعة .. لا حصاد .. فقط الملح .. ضمائد الملح علاج الجروح .. أما جروح الخاطر فلم يخطر عليهم علاج بعد ..

أتذكر ذلك اليوم .. يوم أخذني أبي لوسط المدينة بالسيارة .. طفلاً بدينا يرافق أباه لما كان يعرف بنغازي.

أنظر يا أنس  .. هنا مبنى البلدية و هنا الجامع العتيق .. هنا محلات العقيب و هنا مقاهي لبدة و تيكا .. هنا سينما البرينتشي كنت أرتادها شاباً يافعاً .. و هنا كانت خمارة للإنجليز .. و هنا قطارة للقرابة .. هنا سوق الحشيش .. دكاكين حميد .. يرقد خريبيش هنا يليه غازي و نجم الدين .. أراني أبي كل شيئ .. إلا نسائم بحر خريبيش ليلاً ..بعد سنوات كبرت أنا .. عدت أحج لتلك الأماكن و التراكين .. و زرت نسائم خريبيش ليلاً .. مراهقاً أخرق أنا .. دخنت بها أول سيجارة حشيش و كنشة .. و ترشفت أول كؤوس القرابة .. ثم ماذا؟ثم أتركوا لنا أماكن نزورها مع أبنائنا ياجبناء .. كيف سنريهم بنغازي المدينة .. أعني  أتكلم بجدية كيف؟أتريدون أن أنجب في المستقبل ولداً لا يعرف جامع عصمان و أبى ذراع و الندق البلدي ؟
أتريدونني أن أنجب جاهلاً بمدينته؟

أرجوكم .. أجيبونني فأن التسائل قد بلغ زباه.

إنتهى .. حتى الأن على الأقل.

رسائل غير مرسلة “3”

إلى أحمد ..

أتمنى أن تكون بخير

حتماً أنت كذلك ,لما لا تكون غير ذلك فليس هنالك سبب يدعو أن لا تكن بخير .. أنا متضايق منك حقيقة ,بعد تركك لي وحيداً في جهنم و ذهابك للجنة .. طلبت منك أن تقرع كأسين من “جاك دانيال”في صحتي و لكنك لم تفعل .. ربما ظننت بعض الظن الإثم أني بهكذا طلب أكون رفيق سوء .. لا صديقي أنا لست كذلك أو بالأحرى لست بهذه الدرجة من السوء .. أنت في جنة أوروبا.. أليس كل شئ مباح في الجنة؟

فلماذا لم تفعلها .. أرجوك إفعلها لأجلي و لأجل روحي التي فقدت الكثيرين .. حسبي أنك تتابع كتاباتي و لاحظت أنني أصبحت عاطفياً قليلاً .. لا تخف فلم أتغير كثيراً .. فقط أحاول أن أكون رجل صالح أو رجلاً على أٌقل تقدير.

أنا لازلت مثلما تركتني .. أحترف الجلوس على مقاهي بنغازي أو ماتبقى منها .. أنفخ دخاني في وجوه الأصرام و الحكاكي الذين لازلت أقابلهم .. أعني لازلت مثلما تركتني لكن الحياة و المشهد تغيرا .. إعتزلت ذلك المقهى الذي كنا نجلس به سويا كل يوم نتقاسم ثمن المكياطة و علبتي السجائر و أحياناً الولاعة و أصبحت شبه متوقف عن مشاهدة مباريات اليونايتد .. إنهم يبدون سيئين جداً ياصديقي أعني ممفيس ديباي لم يكن يدو بهذا الغباء قبل أن ينظم إلينا و واين روني أصبح مثل العاهرة لا يعرف للمرمى طريق ولا يسجل كما أنني كذلك لم أعد أسجل و أصبحت كالعاهرة في دورة شهرية ملئتها رائحة الطمث .. لم أجد من يفهمني من بعدك .. كلهم يتكلمون كثيراً ..  لم أجد من يسمع .. حقيقاً أنا لا أعلم كيف تفعلها أنت .. كيف تسمعنى ولا تمل من ذلك ولا تضجر ؟ كيف تتغلب على الملل و أنا ذلك البدين كثير الكلام الفارغ ؟

حي بوهديمة الذي نتجاور السكن فيه لا زال كما هو .. لا زال الهاون يسقط علينا صحبة نهاية المدى لرشقات الرصاص المنحس .. ولا زلت أدخن في تلك الشرفة التي تعرفها جيداً .. ولا زلت أكتب لتلك الفتاة التي قرأت أنت ماكتبت أنا لها ذات يوم .. لكنني مللت من كل شئ .. من الناس و من المدينة و من حيينا و من أهلي و من معارفي الذين لم يرتقوا لمرتبة أصدقائي .. حتى كوني أنا ,مللته .. و أصبحت أطالب عدالة السماء بأن تعيد خلقي و صناعتي من جديد حسب معايير جودة جديدة  و عالية .. أعني لماذا لم يخبرنا الله قبل أن نلج البويضة في أرحام أمهاتنا أننا سنكون هكذا؟ من المؤكد أنه يعلم أننا سنرفض.

أنا سعيد أنك فعلتها و هربت من دار الغول التي قيل أنها وطننا .. أنا لا أستطيع فعلها .. أ‘ني ياصديقي أنني أريد و أبغي و أتمنى فعلها و لكنني لا أستطيع و لا أعلم لماذا ولست أدعي بذلك الأصولية و حب الوطن و المدينة .. إنه شئ أخر .. أكثر قذارة من هاته الأشياء .. أحمله معي دائماً ولا يفارقني أنني خلقت لأكون هنا ولا أغادر صحبة المغادرين .. رغم الموت وزفرة الدم الكثيرة التي  أشمها من شرفتي كل يوم مع رائحة المجاري و المعاملة القذرة التي ألقاها من الناس إلا أنني لا زلت أشعر بالراحة و لا زلت أشعر بذلك الشعور الغريب التي أخبرتك عنه بأنني سأموت قريباً.

أتذكر أخر مرة رأيتك فيها .. كنت تشبه الخصية أو كنت خصية ترتدي قميصاً أسود.. كان ذلك يوم عرض فيلمي الوثائقي الأول الذي إستغليت دماء أصدقائي لإنجاحه و قد فرحت بي يومها كثيراً و شجعتني كثيراً رغم وصفك لي في ذلك اليوم بأم العروس إلا أنني فرحت بك أيضاً و بكل الأصدقاء خالد و نوري و منتصر و يوسف رغم زوملته .. أخبرتني يومها أنك ستهاجر في الغد و طلبت مني أن أدعو لك بأن تقبلك الجامعة و تجتاز إمتحانها..تعمدت يومها أن لا أودعك كما تعمدت أن أدعو لك بلفشل في الإمتحان لكي لا تهاجر لأنني كنت أعلم ماذا سيحدث إن نجحت و فعلاً حدث أني إحتجتك بشدة و كلما شعرت  بهذا الإحتياج نظرت لمكانك و مكانتك اللتان مازالتى لم يلمئهما أحد و حسبي أنه لا أحد يقدر على ذلك.. أعني ياأخي أنني إشتقت لكل شئ قذر عشته بصحبتك و قذارة سيارة كريم الفقي و قذارة كريم الفقي لم أعد أستلذها و أنت غير موجود معنا .. أنا أعمل الأن .. أعمل بدوامين أحدهم حكومي في الصباح و هو الذي أمارس فيه المنيكة على عباد الله و خليقته و غالباً لا أذهب للعمل و أفضل النوم عليه .. و الثاني بعد العصر في مكتب إبداعي و هو دائم الدوام فيه لأنني أستمتع به و لأنه خالي من الجهلاء و من العواقير أيضاً.. لماذا لم تعد ترسل لي كتاباتك .. أرجوك لا تقطعها عني و أرسلها إلي دائما .. كلماتك حلوة تستحق أن تنشر دائماً .. لا تنظر إلي هكذا ياصديقي أنا لا أحب أن ينشر كلامي بكثرة ولا أحب أن يقراءه الكثيرون لذلك لا أنشر إلى قليلاً من ما أكتب ولذلك لا أقراء كثيراً حتى لا يقال عني كاتب .. إنها كلمة قذرة و قحباء و لا أحبها .. أحس أنها وصف لـ ألة وليس لإنسان .. كما قلت لك لاتنسى أن تبعث لي ماتكتب و لا كأسي الجاك دانيال .. ولا تنسى أن تدرس جيداً لتحللني بعد تخرجك من علم النفس .. أحتاج لذلك ولا أظن أحد سواك قادر على فعلها .. ولا تنظر إلي هكذا مرة أخرى.

كن بخيراً دائماً .. و دعني أفخر بك و أفخر بأنك رفيقي .

رسائل غير مرسلة “2”

إلى أخي الأكبر ..
أعلم أن روحك تعلم بأنني أفتقدك .. و أفتقدت الكثير منك أكثر من إفتقادي للكثير مني , إنني أعني ذلك ياصديقي ولا أدعيه ..
أتذكر ذلك اليوم جيداً عندما كنت أنا جالساً في مقهاك .. الذي تملكه .. و الذي تحكمه .. و الذي لم أعلمه حينما إلتقيتك أول مرة .. كنت تطلب القهوة من صانعها كأي زبون عادي .. بل ربما أقل ,و وكنت تجلس على الحافة الإسمنتية عندما لاتتوفر الكراسي .. كأي زبون عادي .. بل ربما أقل.
دخلت المقهى و لم أعلم ذلك إلا عندما سمعت تلك الضحكة المزمجرة ذات الصوت الذي أميزه بالبحة النادرة و المميزة .. ضحكت مع هذا و سخرت من ذاك و شجعت هؤلاء .. ثم جالستني .. و أعدت تكرر نقدك الساخر لي .. بأنني لا أمتلك ذوقاً في اللباس و أن ذنبي أنني تربيت في حي بوهديمة الفقير .. و أن شكلي لا يمثل عقلي و أنني إن لم أتغير سوف أموت مبكراً .. ثم جاء أحد الأصدقاء و توقفت أنت عن الكلام .. و قلت أنك مريض .. و مصاب بالصداع و بألم في صدرك .. ثم ذهب ذلك الصديق للصيدلية .. و أحضر لك دواء .. ثم تناولت الدواء .. ثم قلت بأنك ذاهب لعزاء شخص ما في مكان ما .
عدت أنا إلى المنزل حوالي العاشرة مساء .. أتتني مكالمات عديدة لم أرد إلا على واحدة منها أخبرت فيها فتاة بأن ما بيننا قد إنتهى و ليذهب كل منا في حاله .. و إستمرت المكالمات في الإنهيال .. لم أرد إلا على واحدة فقط كانت من شخص قد مات بعد ذلك بعام .. قال لي أنك مرضت و مت و الخبر منتشر و أنا الوحيد الذي لا أعلم ذلك.
أعني أنني لم أصدق ذلك في بادئ الأمر .. حتى اليوم التالي حين رأيتك داخل صندوق .. حملوك بضعة رجال دموعهم غزارة .. و وضعوك تحت الأرض بقدم .. و أغلقوا عليك حفرتك .. حينها لأول مرة لعنت من خلقني و لعنت القدر ومن كتبه .
صديقي إن حياتي تغيرت كثيراً بعد وفاتك .. أصبحت خالياً من الدسم الجميل و من الحرية و من المتعة .. صدقني رغم أننا تعارفنا و تصادقنا في وقت قصير إلا أنك قد تركت بصمتك بإبهامك السمين في حياتي جلية واضحة حتى للأعمي.
أتذكر أنك طلبت مني ذات يوم عقلي و صغر سني مقابل ثروة و ستصبح أفضل رجل في العالم .. أعني ياصديقي أظنك قد بالغت و أضنك قد مارست التشجيع في تلك اللحظة .. و أظنها لم تتعدى أن تكون هتافاً للاعب يسدد ضربة جزاء .. فأغفل عينه لحظة تسديدها و ضاعت .. أعني ياصديقي اليوم هو ذكرى وفاتك و أنا سعيد أنك مت في ذلك اليوم .. جاء الجحيم من بعدك و مات الكثير من الأصدقاء عبد الرحمن أهليس ثم لحقه توفيق و سامي و خالد الشيخي و محمد الشيخي و أخرون لم تغرس أسمائهم في خاطري و قلبي.
و تغيرت بنغازي .. أصبحت أكثر مللاً و رتابة من ذي قبل و أكثر موتاً و قتلاً من ذي قبل .. حتى أنا أصبحت كذلك .. و لكن دعك مني .. أتمنى أن ترد عليا في المنام حين أتصل بك .. أخبرني عن حالك و أحوالك و كف هي الأمور عندك في المكان الذي أنت فيه سواء كان جنة أو نار أو جبل الفرقان .

تحياتي : صديقك و تلميذك أنس