رسائل غير مرسلة “2”

إلى أخي الأكبر ..
أعلم أن روحك تعلم بأنني أفتقدك .. و أفتقدت الكثير منك أكثر من إفتقادي للكثير مني , إنني أعني ذلك ياصديقي ولا أدعيه ..
أتذكر ذلك اليوم جيداً عندما كنت أنا جالساً في مقهاك .. الذي تملكه .. و الذي تحكمه .. و الذي لم أعلمه حينما إلتقيتك أول مرة .. كنت تطلب القهوة من صانعها كأي زبون عادي .. بل ربما أقل ,و وكنت تجلس على الحافة الإسمنتية عندما لاتتوفر الكراسي .. كأي زبون عادي .. بل ربما أقل.
دخلت المقهى و لم أعلم ذلك إلا عندما سمعت تلك الضحكة المزمجرة ذات الصوت الذي أميزه بالبحة النادرة و المميزة .. ضحكت مع هذا و سخرت من ذاك و شجعت هؤلاء .. ثم جالستني .. و أعدت تكرر نقدك الساخر لي .. بأنني لا أمتلك ذوقاً في اللباس و أن ذنبي أنني تربيت في حي بوهديمة الفقير .. و أن شكلي لا يمثل عقلي و أنني إن لم أتغير سوف أموت مبكراً .. ثم جاء أحد الأصدقاء و توقفت أنت عن الكلام .. و قلت أنك مريض .. و مصاب بالصداع و بألم في صدرك .. ثم ذهب ذلك الصديق للصيدلية .. و أحضر لك دواء .. ثم تناولت الدواء .. ثم قلت بأنك ذاهب لعزاء شخص ما في مكان ما .
عدت أنا إلى المنزل حوالي العاشرة مساء .. أتتني مكالمات عديدة لم أرد إلا على واحدة منها أخبرت فيها فتاة بأن ما بيننا قد إنتهى و ليذهب كل منا في حاله .. و إستمرت المكالمات في الإنهيال .. لم أرد إلا على واحدة فقط كانت من شخص قد مات بعد ذلك بعام .. قال لي أنك مرضت و مت و الخبر منتشر و أنا الوحيد الذي لا أعلم ذلك.
أعني أنني لم أصدق ذلك في بادئ الأمر .. حتى اليوم التالي حين رأيتك داخل صندوق .. حملوك بضعة رجال دموعهم غزارة .. و وضعوك تحت الأرض بقدم .. و أغلقوا عليك حفرتك .. حينها لأول مرة لعنت من خلقني و لعنت القدر ومن كتبه .
صديقي إن حياتي تغيرت كثيراً بعد وفاتك .. أصبحت خالياً من الدسم الجميل و من الحرية و من المتعة .. صدقني رغم أننا تعارفنا و تصادقنا في وقت قصير إلا أنك قد تركت بصمتك بإبهامك السمين في حياتي جلية واضحة حتى للأعمي.
أتذكر أنك طلبت مني ذات يوم عقلي و صغر سني مقابل ثروة و ستصبح أفضل رجل في العالم .. أعني ياصديقي أظنك قد بالغت و أضنك قد مارست التشجيع في تلك اللحظة .. و أظنها لم تتعدى أن تكون هتافاً للاعب يسدد ضربة جزاء .. فأغفل عينه لحظة تسديدها و ضاعت .. أعني ياصديقي اليوم هو ذكرى وفاتك و أنا سعيد أنك مت في ذلك اليوم .. جاء الجحيم من بعدك و مات الكثير من الأصدقاء عبد الرحمن أهليس ثم لحقه توفيق و سامي و خالد الشيخي و محمد الشيخي و أخرون لم تغرس أسمائهم في خاطري و قلبي.
و تغيرت بنغازي .. أصبحت أكثر مللاً و رتابة من ذي قبل و أكثر موتاً و قتلاً من ذي قبل .. حتى أنا أصبحت كذلك .. و لكن دعك مني .. أتمنى أن ترد عليا في المنام حين أتصل بك .. أخبرني عن حالك و أحوالك و كف هي الأمور عندك في المكان الذي أنت فيه سواء كان جنة أو نار أو جبل الفرقان .

تحياتي : صديقك و تلميذك أنس

 

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s