قصة الطفل الذي صار تيساً

أتذكر ذاك اليوم حين أشتريت الفطور من مقصف المدرسة أول مرة .. حين ناولت ذلك الشخص القمحي القصير خمسون قرش .. حين ناولني سندوتش الفاصوليا بالكرشة و زجاجة المشروب الغازي .. شعرت بالإستقلال و بأنني حرّ .. شعرت بأنني أحدد مصيري بنفسي.. فقط بشراء الإفطار من المقصف.

و عندما كان جرس الإفطار يُقرع كانت كساعة القيامة .. كل الأطفال يجرون نحو الطابور .. والكل خائف من أن لايراه المشرف في غير صفه .. فتية يلعبون الكرة بعلبة عصير تركوها و أخذوا يجرون للإصطفاف في الطابور .. بضعة فتيات مشطن شعرهن كالأحصنة تركن لعبة “النقيزة” و قفز الحبل و أخذن بالجري نحو الطابور .. الكل خائف و الكل لاهم له سوى نفسه .. مشرف الساحة دخلها بصحبة خرطوم من اللدائن يُسمع منه صوت الصفير حال تحريكه بسرعة في حركة رأسية عادة مايفعلها المشرف كإشارة تهديد .. كإشارة وعيد .. و كنت أشاهد كل شيئ بحركة بطيئة .. شارد في تلك القيامة المُصغرة ..  حتى بدأت الحركة تسرع شيئ فشيئ .. أي حتى وجدت نفسي في وسط الساحة .. و الكل مصطف في الطابور .. أخذ المشرف يجلدني كأنني لم أجتاز السراط المستقيم .. كان يُخرج كل عقده في جلدة واحدة .. كان يصب جام غضبه علي .. و كنت حينها أبكي .. بشدة .. وكنت أشفق على نفسي من سوء الموقف حين سمعت ضحكات باقي الأطفال و أنا أُجلد و أبكي .. و يستمر الجلاد في جلدي .. و تستمر عيناي في البكاء .. حتى وصل قمة نشوته .. و كأن جبل من الغضب كان على كتفيه فأزاله فجأة ..  وتحول في ثوان إلى صورة إنسان عادي .. رجل عادي .. و قال لي بأدب و بصوت منخفض .. إذهب و أغسل وجهك .. ولا تعيد الكرة .. ولا تبكي مرة أخرى فالرجال لايبكون.

ثم فلت له في سري أنني طفل و لم أصر رجلاً بعد .. لكنني فهمت أن أولى جلدتاه لي كانت لأجل أنه غاضب .. أما الباقي فكانت لأجل بكائي .. حتى حين كبرت لم أعرف أحداً قط يجلد طفلاً لأنه يبكي و لأن الرجال لايبكون و لأن الطفل رجل  في عرفه فقد فعل فعلته التي أصدر تشريعها قانون الجهل.

ومنذ ذلك اليوم لم أعد أشتري إفطاري من المقصف .. وعادت أمي تحدد ما أتناوله على الإفطار في المدرسة .. ولا حق لي في تحديد مصيري .. ولا إستقلالية  لي في الإفطار .. و لم أبكي منذ ذلك اليوم أمام أحد .. فالرجال لايبكون ولو كانوا أطفالاً .. حتى كبرت و صرت تيساً كبيراً ..  لم أبكي أمام أحد .. إلا أمام ذلك الطفل حبيس جسد التيس الكبير و الرجل الصغير.

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s