في شهر الكانون

وقد جربنا كل شيئ .. النوم دون الجوارب .. كأس اللبن الساخن ..  إطفاء الأنوار .. و لكننا لا نبت أن نتقلب كثيراً و نفكر في ماذا يحمل لنا الغد .. و قد حاولت قذائف الهاون و الغراد و الراجمات شغلنا عن ذلك التقلب و التفكير و لكنها لم تنجح .. لا أقصد أنها ليست بذات الإهتمام و الشغف .. أعني أنه ثمة أشياء أكثر ضجراً و أجيجاً أصبحت تشغل بالنا .. أعني أنها أكثر ضجراً و مللاً من هذه الحرب. و رغم أنها ليلة رأس السنة و الكهرباء مقطوعة منذ البارحة و لا وجود للخبز ولا البنزين ولا غاز الطهي .. إلا أننا نفكر كثيراً.

جلسنا في دائرة أسرية في صالة المنزل .. يتوسطنا “الكانون” و في شهر الكانون كان الشتاء قارص .. و كانت الليالي الكوالح و الطوالح .. أعدت أمي براد الشاي الأخضر على الكانون .. سخنت بضع كسرات من خبز منزلي على الكانون أيضاً قبل أن نغمسه في زيت الزتون الممزوج بالزعتر و نقضم حبات الزيتون برفق.

و كان الظلام ضيفاً ثقيلا .. لم يرد المغادرة .. و حرمنا من كل شئ .. إلا المطر .. الذي رقصنا تحته رقصة الديك المذبوح و التانغو .. و لكنها إنقطعت هي الأخرى حتى أصابنا الملل و قد قمنا بمخاطبة الفريق الأول أكثر من مرة .. فقط في سرنا .. أن يُسرع من رثم هذه الحرب حتى لا نموت مللاً ..

و حتى لا يموت الملل منا فقد أشعلنا شمعة قبل أن تنطفئ السنة .. و إنطفئت الشمعة و أشتعل العام .. و أشتعلت بنغازي من جديد .. و صارت رماد بعد حين .. و ربما قد تكون عنقاء .. ذات اليمامة و النورين .. و قد كانت هي حبيبة الصالحين في وقت ليس بقريب .. مهجة القلب و قرة الأعين .. تؤتي أكلها كل حين.

و إنتهت سنة أربعة عشر و ألفان

و إنتهت سنة خمسة عشر و ألفان

و قد مضت بسرعة .. لا زلت أكتب قليلاً .. لا زلت أقراء قليلاً .. و لا زلت لا أكتب جيداً .. أعني ليس أفضل من ذي قبل .. و رغم أن الحياة أصبحت أشبه بسوق النخاسة إلا أنها لازالت تحمل بعض المتعة التي تميزنا عن الأموات .. ضيوف القبور .. و الذين أعرف منهم الكثيرين.

أقصد أنني أشتاق إليهم كلهم .. رغم كثرة المعارف إلا أن مكانة ضيوف القبور لا يأخذها أحد .. تظل كما هي .. فروح و لو إنفصلت عن النفس و الجسد تظل حية.

ولا زلت أشتاق إلى بنغازي .. كثيراً .. و إلى تلك الفتاة التي راقصتها مرة أو إثنتان .. ثم إفترقنا عن قرب .. و تواصلنا عن بعد .. و مرت السنة على خير .. و مت سنة على شر .. و لازلت أراقص طيفها في منامي  و سأفعل أبداً .. كل سنة و في كل رأس سنة.

ولا زال الصافي يطربني فقط .. و يغنيني عن الإستماع للباقي .. طيبة موسيقاه و كلماته لن تعود من جديد أبداً .. و لن يفعل أي أحد ذلك من بعده.

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s