فانتازيا

أنا ورقة .. جٌففت .. تيبستُ .. صرت رقاقة .. رقاقة تبغ.
أنتمي الأن لسجارة وسط ألاف الرقائق في عشرين سجارة في علبة أمريكان ليجند.

أنا ورقة .. جٌففت .. تيبستُ .. صرت رقاقة .. رقاقة تبغ.
أنتمي الأن لأخر سجارة في علبة أمريكان ليجند.

إلتقطت السجارة أصابع شديدة الجفاف ..عنيفة .. حتى كدت أنجرف و أتفتت مع باقي الرقاقات.بدأت الأصابع تحملنا نحو شفاه لفم كريه الرائحة .. قذر .. ذي أسنان شديدة الإصفرار .. النار تلتهمنا .. أكاد أصل لمؤخرة السجارة .. ولا أنجح.

أنا ورقة .. جٌففت .. تيبستُ .. صرت رقاقة .. رقاقة تبغ.
أنتمي الأن لأخر سجارة في علبة أمريكان ليجند.وقد دخنها جندي يعاني في محور القتال .. صرت الأن دخان .. تطردني الرياح و توجهني كيفما شائت .. إنعطفت يميناً نحو ماتبقى من شارع العقيب .. تطاردني رصاصة .. أطلقها قناص متمركز بجانب الجندي الذي نفحني .. أنا ألهث .. و بأقصى سرعة أحاول أن أجد ساتراً ما  لاتجدني الرصاصة التي تلحقني فيه.
نهاية فيا تورينو و في زاوية فندق الأنيس وجدت المراد  .. تجاوزتني الرصاصة لتستقر في الحائط المقابل .. كانت شديدة السخونة .. إنبعث منها دخان أبيض .. رشيق .. سريع .. و رأيت تلك النفحة .. و قد رغبت بها و رغبت بي .. و تزاوجنا وسط فيا تورينو رغم الرصاص و الحرب .. و قد أقيمت الغيطة من طرفي القتال على شرف زواجنا الميمون..و قد سكر الجميع حتى الفجر .. و حتى بزوغ الشمس .. و التي كانت تجذبنا نحوها بشدة .. كثافة زوجتي “نفحة الرصاصة “كانت أكثر مني فأنغرست في الحائط .. و أفترقنا .. و صعدت أنا إلى السماء .. حيث الصراع الكهربي الكبير في السحاب.
فجأة تتحول السحابة للإسوداد .. و تزيد شدة التيار الكهربي و كأن تلك المعركة التي شهدت زواجي الميمون في فيا تورينو كانت أقل شدة.

أنا ورقة .. جٌففت .. تيبستُ .. صرت رقاقة .. رقاقة تبغ.
أنتمي الأن لأخر سجارة في علبة أمريكان ليجند.

صرت قطرة .. قذفتني سحابة السماء نحو الأرض .. سقوط حر .. بنغازي ياأكثر بقاع الأرض تناقضاً .. تبدين جميلةً من فوق .

أنا أسقط نحو الأرض بسرعة .. و أرى كل شيئ .. جنازة الجندي الذي نفحني أراها بوضوح .. بائع السجائر الذي كنت أستمع للجنس الهاتفي أثناء ما كان يمارسه في دكانته .. أنا على بُعد مسافة قصيرة من التبعثر على الإسفلت .. و أرى كل شيئ .

عندما أصبحت الهاوية قريبة .. و النهاية قريبة .. رأيتك أنتِ .. و رأيت وجهكِ .. رأيت الله فيك .. جميلة مبدعة كاملة مكملة ممتلئة بالجلال و الإكرام .. و لعنت الذي فصلني روحاً عن رقاقة من تبغ.

ثم ماذا؟
ثم تغير كل شيئ .. سقطت في برميل ممتلئ بشيئ يشبهك .. و لكنه أقل عناداً .. و أكثر هدوءاً .. شعرت بدوار غريب .. و بسعادة جميلة .. حتى غفوت .. و أستيقضت .. و وجدت نفسي في قارورة ممتلئة من ذلك الشيئ الأقل عناداً و الأكثر هدوءاً .. و صارت كل القطرات تهيج فرحاً .. تزغرت .. تساءلت عن ما أثار فرحتكن أيها القطرات اللعينات .. و لم أنال الإجابة.
تخضخضت القارورة بشكل مزعج أثار الدوار في عقلي مرة أخرى قبل أن توضع القارورة على منضدة.
الكل ينتظر .. القطرات .. البشر .. ولازلت لأعلم ماذا يحصل .

سكبنا ذلك الغبي الذي حملنا من البرميل للقارورة في كوب زجاجي .. الرؤية أصبحت أكثر وضوحاً .. إنه عرس .. الكل فرح .. و قد دخل العريس العرس .. و فرغ أحدهم عشرة رصاصةِ من بندقية فوق رأسه حتى كاد يقتله فرحاً به.
السماء تمطر أظرف رصاص فارغة .. حرارة الجو إشتدت و كنت أتبخر حتى صرت هواءً منبعث من فم القارورة و التي إستقرت بقربها إحدى الأظرف الفارغة أخرجت دخانِ بدى مألوفاً لي في بادئ الأمر .. ثم خرجتي أنتِ و قد وجدتك من جديد .. لازلتي رشيقة و دافئة .. زغرتت كل القطرات فرحاً بنا .. و إبتسمت العروس ,, و إبتسمتي أنتِ .. و ضحك العريس .. و عبست أنا .. و كانت ي حبيبتي النهاية.

Advertisements

مذكرات ليست على ورق “الجزء الثاني”

أمام الكعبة التي ستُهدم يوماً ما كنت أقف و أفكر,أراقب و أتمعن تلك النقوش المخفية و الغير واضحة للناظر للمكعب الأسود من بعيد , أسمع ترانيماً باللهجة المصرية و أخرى لا تكاد تكون عربية,أقتربت من الله كثيراً حتى زرت بيته الواسع,و قد ضيفنا الكريم بُحسن الإستضافة بالرغم أن الطريق لبيته تكلف ألاف الدولارات .. شربت من ماء زمزم بضع رشفات و لم تكن مياه عادية أو هكذا ظننت حتى أيقضتني أمي بصوت يحكي التعب و الإرهاق من أعمال ربة المنزل .. ربة المنزل التي تشعر التعب .. و التي دائماً ماتدعوا الرب الذي لايشعر بالتعب أو ربما لا يشعر بشيئ أن يهديني و أن لا يظلني و أن لا يرزيها في.

أمي التي قد أهلك الزمن بدنها أعترف لها أن الله قد أحسن تربيتي أكثر من مافعلت هي .. و أن شوارع بنغازي المليئة بالملح و العفن و مخلفات “الكنشة” قد ساهمت هي الأخرى بذلك .. و أعتقد أنني من ذلك النوع من البشر الذي قد يفرح حين تخبره أنه أصاب التوقع أكثر من مايفرحه أنه كسب مليون دينار في مسابقة لشركة إتصالات .. أو في بطاقة اليانصيب .. أو في مسابقة أفضل صورة طفل على الفيسبوك .. و النور الذي يخرج من الشمس لايشبه النور الذي يخرج من المصباح أو الشمعة .. و رأيت يوماً أحد ظن أنني أنافسه على نور الشمع و قد تركت له ذلك و أردته أن يدرك أنني أطمح لنور الشمس و إن إحترقت فأنا شهيد الأ{ض اليابس و الماء.

إن أكثر الأشياء التي قد تستحق منك كامل الجهد و الإجتهاد في الدعاء للإله الذي لايؤمن به شخص ما على هذا الكوكب أو خارجه,هو أن تدعو الرب أن يكون القرار الذي إخترته في ظرف ما في مكان ما صحيحاً و صائباً .. أن يكون إنسحابك لأجل تجنب أكبر قد ممكن من الخسائر فعلاً صائب .. حسن الإختيار تصرف لا يحسنه إلا الله أما نحن فالصدف تجاورنا أحياناً في الإختيار ,, و نغتر بها و لا ندرك ذلك إلا بعد فوات الأوان و لا نختار إختياراً صائباً.

حقيقةً لا أعلم كيف أتصرف حين يتكلم شخص ما في مكان ما تحت أساس أنني إنسان مثقف و ذي علم, و قد أحرج وقتها حيث أبحث عن نصف طريقة لإخباره بأنني لست إنساناً مثقف ,أقصد حين يسألني شخص ما في مكان ما عن كتاب أو كاتب ظناً منه أنني أقراء كثيراً .. رغماً أنِ أكاد لا أقراء أبداً إلا في حين إنقطاع الكهرباء أو الإنترنت .. القراءة أمر أجده مملاً في هذا العصر أقصد تحديداً في العام ستة عشر و ألف .

و أتذكر جيداً حينما كُنت طفلاً سرقت المرور لمكتبة والدي لأسرق كتاباً .. كان لغز الموت .. لعجوز أخرق يرتدي نظارات طبيعة ككعب كوب الماء ظننته متخلفاً أول مرة .. و كان المرة الأولى التي يشجعني فيها أبي على السرقة .. رغماً أن السرقة فاحشة .. لكن أبي قد فرح كثيراً حينما سرقت منه الكتاب .. و قد كان الكتاب خفيفاً و كان النص السردي للدكتور مصطفى محمود رحمه الله ممتعاً جداً , و أقول أنه فعلاً كان يحل لغز الموت .. ولا زال الكتاب عالقاً في سراديب عقلي الباطن .. إلا الإهداء الذي كُتب بقلم حبر جاف في أول صفحة من الكتاب “إهداء إلى سليمان بن غزي” أدركت أنني أقراء إسم رجل ميت ,, لغز الموت تم إهداءه لرجل ميت .. و كان زوج عمتي.

مذكرات ليست على ورق “الجزء الأول”

فعلت أشياءً سيئة .. و قمت بكوارث ماهولة .. لأن أسهل ما يمكن في هذه الدنيا هو أن تفعل شيئاً سيئ .. أن تفعل الخير ذلك يحتاج منك أن تكون شخصاً قوي .. أعني قوياً جداً لدرجة أن تفعل الشيئ الصحيح في الوقت الصحيح نسبياً.

كتبت رسالة بذيئة إلى مديري .. وصفته بأبشع الكلمات .. قلت له أن حرف الدال الذي يسبق إسمك لايدل على شيئ إلا أنك “دقح” و أنك لاتفقه في شيئ و أن رسالة الدوكتوراة التي حضرتها في “تعامل صحيفتي الفجر الجديد و الشمس مع حرب الخريج 1991” لاتعنيني ولا تعني أحد و لن يحترمها أحد.
أذكر أنني كنت صغيراً عندما أجلسني جدي على حجره يوماً .. كان دائماً يشاهد التلفاز من على مسافة لاتتعدى المتر الواحد .. يجلس على كرسي بلاستيكي أبيض خُط ظهره باللون الأحمر “تشاركية بن شتوان للأفراح و المناسبات” ,أرشفني جدي الشاي و ناولني خبز التنور الطازج .. سألني بكل إستهزاء عن ما أريد أن أصيره عندما أكبر .. و كنت طفلاً كثير الإستعجال فلم أمهل نفسي التفكير حتى أجبته بنبرة عدم الخبرة و الطفولة بأنني أريد أن أكون صحفياً ..

ضحك جدي كثيراً … لم أراه يضحك هكذا من قبل حتى عندما يشاهد مسرحيات عادل إمام في العيد .. ثم سألني بكل لطف .. تريد أن تكون صحفياً؟ تريد أن تكتب في الحقيقة؟

و في الحقيقية لم أكن أعلم ماذا كان يعنيه بسؤاله عن إن كنت أريد أن أكتب في الحقيقة أكثر من أنه كان يقصد أنني أريد أن أكتب الحقيقة أي الصدق أن أكتب ماحصل كيفما حصل .. ثم كبرت أنا و صرت ذلك البغل و مات جدي قبل أن يرى الهلال يفوز على الأهلي .. و علمت ماذا كان يعني بالحقيقة .. علمت أنها كانت صحيفة .. كانت جريدة .. كانت بنغازي على ورق .. و كان من يكتب في الحقيقة هم من نقراء لهم اليوم .. أي أننا متأخرون بحوالي ستون عاماً على الأقل في قراءة واقعنا و مستقبلنا .. عندها فقط تمنيت بصدق أن أكتب في الحقيقة.

أدركت الأن أن السطور الماضية كتبت بها ثلاث مائة و تسعة عشر كلمة .. وحدهم من يعرفونني جيداً يعلمون ماذا يعني لي هذا الرقم .. و على ذكر ذلك فالساعة الأن الثالثة و تسعة عشر دقيقة .. و الأمر محض صدفة فلا أخبركم أنها رسالة سماوية ولا أن القدر يلمح لشيئ .. و الأمر حصل هكذا بصدق و أنا لا أكتب أقصد لا أكذب.

فجر الخميس البادئ من يناير .. مستيقظ أنا على ترانيم الحضرة القادرية من مدينة قفصة التونسية .. و على بضعة أغان تكاد تكون دواوين لـ “تو باك” و أشعر أن الليلة مملة جداً .. و يكفي أنني صعدت لسطح المنزل لمشاهدة الإشتباكات الدائرة بلقرب منا .. أسمع التكبيرات بوضوح .. و الرصاص طائر الليل الذي يزقزق في شجرة بنغازي أو ماتبقى منها.

ثم بداء يوم الخميس ساخناً .. حرائق السدرة عادة إرهابية تقام كل يناير .. نفس الحارق و المحروق .. حال زليتن بائس منذ حريق مقام العارف بدين الله القطب الظاهر .. العربات المفخخة لن تغير شيئ .. محاربة داعش لن تغير شيئ .. ألا يكفي كل ذلك لكي يتعلم ساكنوا ‫#‏بنغازي‬ أن لا يحاربوا نيابة عن أحد مرة أخرى؟

وقد ذاقت بنغازي العلقم أكثر من مرة و اليوم جميع من في ليبيا يتذوقه بعملية الإجترار كالبقر و ما إن لبثت منازل بنغازي تتحول إلى الرامل ثم إلى صحراء ثم إلى واحة حتى يعود الجميع ليصفونها برباية الذائح مثلاً و عدة ألقاب خرى كأنهم يدللون بها عاهرة مستلقية على شاطئ المتوسط.

يبدوا أنني إعتدت الكتابة الأن .. لا زلت لا أمارسها .. لكنها صارت عادة .. و العادة تكون من إدمان التفكير في الشيئ قبل ممارسته .. و أظن أنني قاربت على كتابة أخر كلماتي .. و أظن أنني سأفرغ من الكتابة مجدداً فهي تحب من يدعون أنها أفضل شيئ في الوجود .. و أنا لا أظنها أفضل شيئ في الوجود .. ولا أظن أن مسألة الوجود أمراً مقنعا قد يأخذه الإنسان كمبدء أو كمنهاج للحياة.