بئر النملة و طائر البغل

الشمس,السماء,الأرض غير الناضجة.
وحدها نسائم بئر النملة بشاطئ الشابي جمعتني مع نفسي أول مرة دون تحديد موعد مسبق,بدون إذن,حتى دقتى الباب,حتى أحمم,تستور,لاشيئ فقط كان اللقاء الحميد و الخبيث و المبهج و المريح,فصرت أبغي أن أطير ,أعني أن أكون أول بغل بدين يطير,الهواء رطب,النسمة عليلة كعادة بنغازي القديمة ساعة العصرية و الموت حل فجأة كالقائي بنفسي و كان الأمر صعباً أن تشعر بالوحدة فجأة و أن تفقد كماً هائلاً من الأرواح القريبة منك دفعة واحدة,و قد ظلمني ربي في ذلك و الجميل أن تشتكي ظلم الظالم للعادل العدل,الحاضر الناظر و صاحب المعروف,لازلت أنتظر محكوم التظلم حتى الأن … لم يردني أي شيئ .. لا رسالة مع ملك .. لارؤية في منام .. و لا سخيطة ربما أعود بها إنسانً بعد البغل البدين.
و الصراع صراعي ..

الذات و الروح

النفس و الروح

و الجسد يقف موقف الحياد أمام الإثنين ,أحياناً يقف موقف المعرقل,لكن للإثنين كذلك,البغي أمر صعب أكثر جُرماً من القتل,و المبتغى لايكون حلالاً دائماً ولا يكون حراماً أيضاً .. ربما هو أمنية فشل محققوا الأماني في تحقيقها.
و الإنسان قد يصل للمرحلة التي يكره فيها ذاته ولا يعني هذا بالضرورة أن روحه تفيض نقاء بل ربما يعني أن الرقابة الروحانية التي يمارسها على نفسه ناجحة.ولا أعلم لما يركز الناس على بعضهم البعض هكذا و لماذا لا تكون التصرفات دون تفكير .. أعني لا مانع من أن تترك الفطرة البشرية تتصرف أحياناً كما أوحى خالق الروح لها فلماذا لا تتركوا أنفسكم على سجاياها ي ضناة القحبة؟

سافرت إلى فلورنسا يوما سريرياً في رحلة مهدتها قصص و حكاوي عن دافينش و أليغري دانتي تحكي حكاية هذه المدينة التي أنزل الله فيها من إبداع و جمال في عقول ساكنيها على غير باقي ساكني المستديرة,زرت المعبد و الكنيسة و المقهى و المتحف .. ساقي في حانة وسط فلورنسا تكلم معي بلهجة بنغازية صِرفة و أسقاني كأس من النبيذ الأبيض الفلورنسي قائلاً ((أشرب هضه خيرلك من القرابة متاعكم ي داق)).

أتتني من قُبل إحدى فتيات الحانة و التي ملئت الدنيا صراخاً و فرحاً عندما علمت أنني أسكن بحي بوهديمة,رويت لها قصة الحاج بوزيد جارنا الذي منع سلطات الحي أن تقوم بأعمال رصف الشارع و واجهم بخرطوشه,وقصة أبناء عائلة الفار الذي لقى أغلبهم حتفه في معارك شواريعية,و قد تمنت أن تزورها شتاء لتستمتع بالبحيرات الطبيعية الناتجة عن غزارة المطر,و دفعت لها الحساب مع بقشيش سخي و نمت على الرصيف.

سرعان ما عدت من السفر أيضاً سريرياً إلى بئر النملة,إلى الشابي,إلى بنغازي التي أنزل الله فيها أيات من الظلم و الفشل و الموت,و أهل بنغازي يعرفون أنفسهم جيداً و لايستطيع أحد منهم أن يتظلم لله ,و المدينة أيضاً تعرف نفسها جيداً و تعرف أنها مذنبة و ذات خطيئة ستدفع كفارتها أعواماً عُجاف قد لاتكتمل بزوال الدنيا و قيام القيامة,و شعار بنغازي هيسبريدس القديم الموجود بلوحة الفسيساء بأقواس شارع عمر المختار ثعبانين ملتفان على عمودات إغريقيات تتوسطهما شجرة التفاح الذهبي قد حاولت إعادة تصميمه أكثر من مرة و تقديمه في مُقترح لتعتمده البلدية شعاراً لها بألوانه و تدرجاته الذهبية و الرمادية الرخامية و لكن الفكرة سرعان ما سقطت ضحية الإهمال و الفشل كلما أطلقت مدافع الحرب قذيفة,كنت أراها تترك الأطفال و النساء و العدو و الزوامل و تسقط على هذا الشعار لتحترق شجرة التفاح الذهبي و تقتل الثعابين.

أن تكون بنغازي فلورنسا العصر أمر يستحق من ساكنيها و من سيسكنها أعمال أكثر من تحسين التعليم في المدارس و حملات التوعية و التثقيف و معارض الكتب التافهة .. أعني فقط سيستحق الأمر أن يترك الناس شأنهم شأن بعضهم و أن يدعوا الخاصة من البشر ذوي التفكير و الدوافع الإبداعية و شأنهم  خصوصيتهم و أفكارهم .. و أن يبحثوا عن الجديد دائماً و أن يكون الهدف دائماً يبتكروا شيئاً ينعكس على المدينة لم يبتكره أحد قبلاً و لم يصل إليه أحد قبلهم.

 

Advertisements

عندما تأخرت الساعة و تأخر الوقت

يومها فقط أدركت أين أنا و على أي حال صرتُ,يومها فقط أدركت كل مافاتني من نور و كل مافاتني من ظلام,يومها وجدت أن الصلاة عبادة متعبة على غير ظاهرها فتركتها و طلبت من الله أن يسامحني.
مدينة البيضاء و التي تعتبر في عالم موازي ضاحية من ضواحي بنغازي و التي وجدت نفسي أسكنها دون سبب و أعمل بها بدون سبب,أقصد أنني لا أملك أدنى فكرة عن سبب وجودي في أكثر مدن العالم ضجراً و أكثر مدينة أنبذها و أكرهها بصدق,لكنني راضي و ربما أن الدافع الوحيد لبقائي هو بنغازي و من يحكمها اليوم و من يسكنها اليوم و التي قد أحسن وصفها إذ قلت بأنها قارورة مغلقة ممتلئة بأخر عينات من الطاعون و الذي إذا كُسرت سينتهي كل شيئ ,وقد تكون بنغازي دُمرت و قد تكون تدهورت و لكنها لم تُكسر بعد و لم تنتهي بعد.
على نبع أبولو أشحذ السماء حظي,ألعن فكري و أفكاري و الجميع.
و قد مللت من فراق الأحباب و لذلك وجدت أن تقنين المعارف أمر جميل,و قد راسلت أمي في محادثة إلكترونية يوم الأمس و قلت لها أن أحد ما من طرفي سوف يدق باب المنزل أعطه بطانيتي السوداء و وسادتي البيضاء و قبعة “الكاب”الشيوعية و المفكرة الخاصة بي و ريشة العود,و في حالة إن كانت حالتكم جيدة أرسلي لي معه مبلغاُ من المال ,فلفترة يومين أتغذى على الكعك و الشاي و زيت الزيتون و الزعتر.
و جاء الصديق محملاً بالأمانة و لم تنسى أمي إرسال شيئ و وجدت مبلغاً من المال الوفير و برطمان من قديد الضان بالعظام,و بضعة أكياس من الزعتر و الزميتة و التأي.
و أشكر أمي على ذلك فرغماً أنني صرت بغلاً إلا أنها لازالت تراني طفلها البدين المضطهد و المظلوم دائماً و قد مللت ذلك الدور و صرت أظلم الناس دوماً,و أكرههم دوماً.
السياسة أصبحت أمراً مبالغاً فيه,و السياسيون أصبحوا أناسً مبالغاً فيهم,كرة القدم أصبحت “فياترينا” عرض أكثر من أنها رياضة,أكثر مايثير إشمئزازي أن الموسيقى أصبحت تٌشاهد ولا تٌسمع ,لاتسألني كيف ولا لماذا,حصل كل هذا دونما أن يشعر أحد به ,دونما أن يحس أحد,على نحو ما أصبح العالم مكان غير صالح للبشر,وربما أقول ذلك لأنني لم أرى من العالم غير ليبيا و لم أجتاز حدودها قط.

المنيكة كل المنيكة تكون في أن يسرق أحدهم جهدك ,لكن القُحب كل القُحب يكون في أن يسرق أحدهم تفكيرك و هويتك,و القانون الذي لم يظهر بعد لايحمي الأفكار ولا يحمي الفكر و لو كان هكذا لما قتل معمر القذافي و رشقت العصا في دُبره.
و الإسلام على صورته اليوم شيئ يدعوا للكفر أكثر من الإيمان و قد فشل جميع من حاول تحسين صورته أمام العالم في ذلك,أعني حتى الفقهاء الجدد و المتأسلمون الجدد على نوعية أحمد الشقيري و الشباب الذي يظنون أنفسهم رواد الإسلام المنفتح فشلوا,لأنه و ببساطة لماذا يجب علينا أن نحاول تحسين صورة الإسلام للعالم؟
أعني لماذا لا يذهب العالم إلى الجحيم؟
على نحو ما إستيقظت الخلايا النائمة الثمان في عقلي و بداء الكحول يأخذ مجراه,أستطيع القول و أنا في كامل وعيي أن الإدارة التنفيذية و الإعلامية للإسلام و التي تولت مهامها منذ وفاة النبي مُحمد هي المتسببة في تشوه صورة الإسلام,و الفقه و الشريعة و مايسمى بعلماء الأمة كل هذه الأشياء أفسدت بساطة الإسلام العميق و جعلته أكثر تعقيداً ,و القرأن الكريم إذ أنه كتاب عمره 1400 عام ونيف عندما تقراءه بتجرد تام و من دون ضغوطات كالتي تقول بأنك إن أخطأت القراءة سيعاقبك الله ستعرف مالذي أتحدث عنه و ستعرف أن القرأن ,الرواية و القصة و الفلسفة و الشعر و الخطابة وحده يكفي أن نفهم كل شيئ على صورته الواضحة و ليست هذه دعوة للقرأنية أكثر من أنها دعوة للممارسة القراءة و الفهم و التفكير ولا ضير من أن تكفر بكل شيئ في بادئ الأمر بحثاً عن الحقيقة,لم يخطئ من قال أنه “شريعة المجتمع” فلماذا لم يجعل السنة النبوية و الأحاديث الشريفة و التي قد تٌنقل زوراً عن النبي محمد عليه الصلاة و السلام,و التزوير أمر يحدثه البشر و يتقنونه أكثر من أي شيئ.

و الرأي و المشورة أن أترك كل شيئ خلفي ,خلف الجليد,خلف الحطب,خلف القمامة,فوق الأرض و فوق العمامة و أسبح وحدي في برزخ ,و أتبول بشغف و أكل بمتعة و أشرب بإتقان و أدخل الجحيم دون أيما رفقة.

حرب بنغازي و المعركة القادمة

عندما ظننا في ليبيا أن العودة بالزمن قد يكون أمر هيناً و سهلاً كنا جداً مخطئين..و عندما ظننا أنفسنا في بنغازي أعني من في بنغازي أن الموت يُحَارب بالحياة كنا جداً مخطئين .. فبنغازي أو ماتبقى منها على الأقل لم تتعافى بعد ولم تصل حتى لمرحلة التعافي .. فعندما أقول بأن بنغازي أصبحت مدينة قذرة يبرح الصعاليك فيها لا أنقص بذلك بنغازي بأي شيئ.
فتطور الحرب العالمية في موسمها الثالث جعلت ليبيا و بنغازي بصفة خاصة إحدى ميادينها التي لاتقل أهمية عن الباقي بين طرفي النزاع ,واللذان لن أسميهما بالجيش الليبي و مسلحي التنظيمات الإرهابية فقط .. فمسلحي التنظيمات الإرهابية هم صنيعة المنظمات العالمية المسيطرة على الإقتصاد العالمي و السياسة العالمية و التي تهدف لوضع الحجر الأخير في بناء النظام العالمي الجديد الذي وصل مرحلته الأخيرة ,أما القوات الليبية المسلحة و القوات المساندة لها تمثل القوى العالمية المضادة للمشروع العام و هو النظام العالمي الجديد كروسيا و مصر و من في صفهم من القوميين العرب و الإشتراكيين الذين هفت نجمهم منذ خمس سنوات مضت فيما عرفناه بإسم “الربيع العربي”.

إن مايشهده العالم اليوم مزال إمتداداً للصراع الإقتصادي الأول بين الرأسمالية العالمية,و القوى المضادة لها و قد يقف الأخوة المستهينون بنظرية المؤامرة و المقللين من جدواها موقف الند لهذا الكلام ولو كانوا محقين في أن لو كان هنالك مؤامرة فهي من صنيعتنا و قد نكون جزءً منها ولا خلاف معهم في ذلك.
عندما بدأت عملية تمكين الإسلاميين في ماعرف بالثورة الإسلامية في إيران لم يكن أحد يتصور أن ذات العملية و بنفس الخطوات سوف تُطبق لتصبح ثورات تغيير في ظاهرها و تمكيناً للإٍسلاميين في حقيقتها ,وقد واجهت القوى المضادة للمنظمات العالمية المسيطرة هذا التمكين بعد إستفاقتها المتأخرة بدعم القوى الإشتراكية العسكرية في ليبيا و مصر و سوريا محاولة تدارك الموقف,و الحل و الرد البديل للمنظمات العالمية المسيطرة كان جاهزاً و كان تطبيقه سهلاً ..فصناعة قوة إقليمية مثل داعش سواء عبر السعودية أو قطر أو تركيا هو أمر سهل مع الإحتفاظ بالمفتاح الوحيد لهزيمتها وهو ضربها في المقتل الإقتصادي.
إن من جعل اليمن سعيد تعيساً و دمشق ركاماً بعدما كانت جنيف الشرق,هو ذات الفكر الذي فرق بين أم الدنيا و أبنائها و بين شرق ليبيا و غربها و جنوبها .و في ليبيا بعدما نشب الخلاف بين الزعيم الراحل معمر القذافي و بين المنظمات العالمية المسيطرة عرف القذافي كيف يحاربهم جيداً و قصد عزل ليبيا عن العالم و جعل عليها عباءة سوداء لاتبرز مفاتنها للعالم فتسببت هذه العزلة في نقطة ضعف كبيرة خاصة مع فشل القذافي في السيطرة على القطط السمان التي كانت تحكم البلد و تصاعد مستويات الجهل و الفقر في ليبيا ,ووجدت تلك المنظمات ثغرة ألا وهي ماينقص الشعب من خبز و ماء و عدل و وجهت إعلامها في هذا الإتجاه و كان سيف القذافي طريقتهم و وصلتهم عبر نشر أفكارهم كالمصالحة و التغيير و التطور و التنمية و كانت النهاية بأن أصبحت ليبيا أبعد ماتكون عن دولة.

و اليوم بعدما قربت القوى المضادة للمشروع العام في الهيمنة على ليبيا و شرقها عبر وسيلتها المتمثلة في  الفريق خليفة حفتر تستعد تلك المنظمات للمرحلة الأخيرة .. فنشوب الحرب بين النواة الموجودة للقوات الليبية المسلحة أمر أصبح قريب فبسبب دعم تلك المنظمات لمجموعات قبلية مسلحة و وعودها لها بأن تصبح بنغازي لا بل ربما كامل برقة ملكهم هو سبب كاف ليلتفوا على صفهم و ليحاربوا في الغد من يحاربون معهم اليوم,و الفريق خليفة حفتر رغم مكانته العسكرية الكبيرة إلا أنه لا يرقى لأن يكون السياسي الذي تحتاجه المرحلة .. و رغم تعاونه التام مع الرئاسة المصرية إلا أن ذلك لايكفي فالمصرييون قد يبيعونه في لحظة مقابل زيادة بسيطة في المعونة الغذائية أو العسكرية الأمريكية,و المنطق كل المنطق يقول أننا المواطنون الذين ندعي بأننا شرفاء لا يجب أن نهتم بهذه التحاليل و التكهنات بقدر مانهتم بمأكلنا و مشربنا و مضجعنا الذي قد نستيقض في الصباح و لا نجد منه شيئ.