ليالِ بنغازي

بنغازي .. بنغازي .. بنغازي .. و صوت ترانيم مرسكاوي .. فتاة عشرينية ترقص على النغم .. تهيم .. شعرها يفارقها يميناً شمالاً .. غجرية .. سمراء .. مالحة كبنغازي .. عيناها الشاحبتان مغمضة .. متحدة مع النغم .. نغم المرسكاوي و أخدايد سراب راقصة على شاطئ ضحل .. كنت أنا .. و كان حسن .. و كان أحياناً المغربي .. نلتقط الصور .. نشرب قصب السُكر من الشندويلي و نجالس الصخرة المقدسة بعناية خريبيش .. و كانت بنغازي دون أدنى فكرة على ماهي مُقدمة عليه.
اااااااه ي بنغازي أتوسل إليك و أنا متوضئ بملح مياهك .. ياأيتها الأرض النجسة .. عودي بحق الألهة .. دعينا نعش فيك يوماً يملكنا ولا نملكه .. ليسرقنا الوقت .. و سنضمن أن لايقبض عناصر البحث الجنائي عليه ..
ليش اتقرب و اتباعد تاني؟
توعد و تخلف موعدك ماتجيني
لا مركبك وسط الغريق رماني
و لاهو على شط النجاة راميني
ولا زالت الراقصة العشرينية تلعب برمش العين .. أنستني كيف أكل الكبدة التي أمامي .. في بنغازي نُحب الكبدة .. نصنع منها قلاية .. وجبة الملوك و السكارى .. لا غنى عن القلاية الحارة في ليال القرابة القارصة و الغنية بالجو السمح.
الجو السمح نحترف صناعته .. بأقل الإمكانيات و المواد نصنع الجو السمح .. قد تكفي مكياطة و سيجارة .. أو طاسة خضراء و سيجارة .. المهم أن السيجارة موجودة و اللمة الحلوة .. و الصياع في بنغازي رحماء مع الناس أشداء فيما بينهم .. و بنغازي لاترحم أحد .. خاصة المضاحك .. سرعان مايموتون .. ربما برصاصة .. رصاصة رحمة .. كتوفيق و سامي .. ااااااه أيها الملاعين لا أكاد أشرد حتى يقودوني الشوق إليكما .. إلى زياد ..و إلى كل دفين بمقبرة الهواري .
وفي وصف بنغازي أنها ببساطة خطيئة الأرض و الشعوب .. و أن أهلها كانوا يسكنون الجنة فعاقبهم الله و أنزلهم بنغازي .. دربوكة .. بندير .. و عود مصري من دار الموسيقى العربية .. لنقيم حفلة .. و نغني .. و نبرول ..
خد السجيني .. وين قابل شرارة .. كنز في ديارة .. تحلف كنانة بارقة في قرارة.
ولا يهم أن يكون صوت الذي يغني جميلاً .. المهم أنه يحفظ الكلمات و اللحن .. و نحفظ نحن الكورس .. و الأهم أن نكون جميعاً من بنغازي .. حتى تحضر أرواح الصالحين .. غازي و نجم و خريبيش و يونس و حسين و داؤود و يغنون معنا .. الإسلام مُنزوع الفن و الإبداع دين مقرف لا أؤمن به .. الأذان فن و موسيقى .. تلاوة القرأن فيها من الفن و الموسيقى مالا تجده في غيره.

و في التكملة أشهد أن لا مدينة إلا وحدك بنغازي جميلة حتى في أوقات الحرب .. مملة حتى في أوج الإثارة .. دون قيود نقول فيك مانشاء وقتما نشاء .. على نحو ما أتمناك اليوم و أرغب بك غداً و قد لا أصلك .. و قد أصلي لك و فيك .. و عليك صلاة الغائب حينما ينام الجميع.

تمت

Advertisements

سائق السيارة السوداء.

في سيارة أجرة ,صحبة هلام بشري  يمسك المقود بما في الدنيا من لامبالة ,الطقس يتمنيك .. تارة يكون ترابياً  ساخناً و تارة تدخل نسمة ربيعية جميلة تلطف الجو و كأنها نفحة من بفرة مُعمرة بالحشيش .. سائق السيارة السوداء سار بينا شمالاً نائياً عن زحام بنغازي عاصمة الكساد في العالم .. لا أحد يكترث لأمر أحد سوى رجال البحث الجنائي الذين يكترثون لأمر الجميع و يتعمقون في دواخل القلقلة بكل ما في الدنيا من صرومية.

بداء سائق الأجرة في الحديث عن كل شيئ .. لا أمر لي سوى أن أستمع و أنفخ دخان سيجارتي في وجه السماء إعتراضاً .. يصيح و يخفض صوته حسب مايتطلبه الموضوع من مؤثرات لعابية و صوتية.
(( ي خالي خوووذ الشور الشايب هذا دزه لنا ربي .. تي دماغ ي را و يعرف الكتف منين توتكل .. تي قصدك الشايب مش دماغ؟))

أنا : لا كيف,دماغ الشايب.
(( تي امالا شنو .. يعرف دينهم ي را الخوارج هضوم .. تي شفت لقطة الدقيق أنت؟.. تي خوذ الشور ي خيي الحرب خدعة راهي مقيولة … تي قصدك الحرب مش خدعة؟))

أنا : لا كيف,خدعة الحرب.
(( مغير نحن شعب فاسد حشاك .. تي حتى شباب توا ي را بيني و بينك راييحن يشكشكو و يلطوا .. و يجيك عالنت يحكيلك ع الرجالة في المحاور .. تي غير فكه من ذيلك قبل ي مبعر بعدين أحكي عليهم الرجاال))

قالها وهو يقفز بالسيارة في الإتجاه المعاكس للطريق و يتجاوز الجميع و يدير وجهه نحوي (( والله أنت شكلك شاب محترم و متاع قراية و عولمة .. عندي الواي شات متاعي لما فتحت بيه فيس معش با يشتغل و مالاخير خيك جديد عالفيس .. كذه شوفه بلكي تقدر تصلحه ))

وجدت نفسي أمعك نفايته الهاتفية و أرضخ لأمر الله الذي من الواضح أنه يمتحن إيماني بأن وضع لي هذا القدر.
وسط الزحام صمت الرجل و كأن مفعول شريط الكوبا الذي إبتلعه منذ قليل قد بداء .. و من حيث بداء بدأت سرعة السيارة في الإزدياد و أنا منهمك في معك هاتفه الأخرق,و فجأة صرخت فرامل السيارة كذبيحة معزة رومانية يُسمع صداها من بعد أسوار السلخانة ,و إذا بإمرأتان وضع الله فيهما من جمال مايكفي لإشباع فقراء رواندا مع أمهما,وجدت أن سائق الأجرة له ذوق في اللحم على عكس الهواتف لولا أنه صاح يزجمر بقرف الدنيا (( تي ذووووووبي ي شحمة .. تي زلحقني ي الأصلع .. تي بعبصني ي الأقطع .. تي شمني ي شدوق التفاح .. تي زوزيني بنتك ي أمي )).

ضحك كل من بالشارع قبل أن أدفن رأسي بطبلون السيارة لـ ألا يظن أحدهم بعض ظن السوء أن هذا الرجل عمي أو والدي أو رفيقي .. (( ريت ي ادبيبة بالله اللحمة الوطنية .. تي امالا العجلة اللي عندي في الحوش كيف بنرقد معاها لما نروح بس … تي صبررررررررنا ي ربي .. تي قصدك مش لحمة صح اللي توا؟)

أنا : لا كيف , لحمة صح.

بلقرب من جسر بوهديمة كدت أصل .. ببالغ الأسى أنعي أهلي و عشيرتي في يومي الموبوء .. أترقب بلهفة الإشتياق لأي إنسان أسلم عليه .. أي أنسان .. حتى حتى سعيد خمجة بائع الحشيش في حيينا .. أي أنسا غير القمامة البشرية التي ركبت معها .
فتشت جيوبي و لم أجد سوى ورقة الخمسة الدنانير ببضانة الإبل المطبوعة عليها .. و سألته بكل أدب إن كانت توجد لديه فكه .. (( الجيب خالي و الرب عالي ي ساحبي .. أنزل صرف مالدكان الجاي كنك نازل قريب ))

دخلت دكانة موهمد السوداني .. راجياً الله و إياه أن يصرف لي فكة الخمسة دينار .. أطال موهمد الحديث قبل أن يصل للمكان صوت مشاجرة ..


مو سيقى تصويرية : مباراة ريال مدريد و سرسقطة .. تعليق علي الكعبي (( ي رباااااااااااااااااااااااااااااه مالذي يحدث أمامنا))

سائق السيارة السوداء يطبق على رقبة أحدهم بساطور برازيلي .. الرجل غارق في الدماء .. الناس لاحول لهم ولا قوة .. الكل يتفرج .. أنا .. أنا أدخل الخمسة دنانير إلى جيبي .. أنا .. أنا أهرب إلى منزلنا .. ولن أخرج منه إلى أن يبث الله في أمر هذا المجتمع المتهالك.


النهاية.