سائق السيارة السوداء.

في سيارة أجرة ,صحبة هلام بشري  يمسك المقود بما في الدنيا من لامبالة ,الطقس يتمنيك .. تارة يكون ترابياً  ساخناً و تارة تدخل نسمة ربيعية جميلة تلطف الجو و كأنها نفحة من بفرة مُعمرة بالحشيش .. سائق السيارة السوداء سار بينا شمالاً نائياً عن زحام بنغازي عاصمة الكساد في العالم .. لا أحد يكترث لأمر أحد سوى رجال البحث الجنائي الذين يكترثون لأمر الجميع و يتعمقون في دواخل القلقلة بكل ما في الدنيا من صرومية.

بداء سائق الأجرة في الحديث عن كل شيئ .. لا أمر لي سوى أن أستمع و أنفخ دخان سيجارتي في وجه السماء إعتراضاً .. يصيح و يخفض صوته حسب مايتطلبه الموضوع من مؤثرات لعابية و صوتية.
(( ي خالي خوووذ الشور الشايب هذا دزه لنا ربي .. تي دماغ ي را و يعرف الكتف منين توتكل .. تي قصدك الشايب مش دماغ؟))

أنا : لا كيف,دماغ الشايب.
(( تي امالا شنو .. يعرف دينهم ي را الخوارج هضوم .. تي شفت لقطة الدقيق أنت؟.. تي خوذ الشور ي خيي الحرب خدعة راهي مقيولة … تي قصدك الحرب مش خدعة؟))

أنا : لا كيف,خدعة الحرب.
(( مغير نحن شعب فاسد حشاك .. تي حتى شباب توا ي را بيني و بينك راييحن يشكشكو و يلطوا .. و يجيك عالنت يحكيلك ع الرجالة في المحاور .. تي غير فكه من ذيلك قبل ي مبعر بعدين أحكي عليهم الرجاال))

قالها وهو يقفز بالسيارة في الإتجاه المعاكس للطريق و يتجاوز الجميع و يدير وجهه نحوي (( والله أنت شكلك شاب محترم و متاع قراية و عولمة .. عندي الواي شات متاعي لما فتحت بيه فيس معش با يشتغل و مالاخير خيك جديد عالفيس .. كذه شوفه بلكي تقدر تصلحه ))

وجدت نفسي أمعك نفايته الهاتفية و أرضخ لأمر الله الذي من الواضح أنه يمتحن إيماني بأن وضع لي هذا القدر.
وسط الزحام صمت الرجل و كأن مفعول شريط الكوبا الذي إبتلعه منذ قليل قد بداء .. و من حيث بداء بدأت سرعة السيارة في الإزدياد و أنا منهمك في معك هاتفه الأخرق,و فجأة صرخت فرامل السيارة كذبيحة معزة رومانية يُسمع صداها من بعد أسوار السلخانة ,و إذا بإمرأتان وضع الله فيهما من جمال مايكفي لإشباع فقراء رواندا مع أمهما,وجدت أن سائق الأجرة له ذوق في اللحم على عكس الهواتف لولا أنه صاح يزجمر بقرف الدنيا (( تي ذووووووبي ي شحمة .. تي زلحقني ي الأصلع .. تي بعبصني ي الأقطع .. تي شمني ي شدوق التفاح .. تي زوزيني بنتك ي أمي )).

ضحك كل من بالشارع قبل أن أدفن رأسي بطبلون السيارة لـ ألا يظن أحدهم بعض ظن السوء أن هذا الرجل عمي أو والدي أو رفيقي .. (( ريت ي ادبيبة بالله اللحمة الوطنية .. تي امالا العجلة اللي عندي في الحوش كيف بنرقد معاها لما نروح بس … تي صبررررررررنا ي ربي .. تي قصدك مش لحمة صح اللي توا؟)

أنا : لا كيف , لحمة صح.

بلقرب من جسر بوهديمة كدت أصل .. ببالغ الأسى أنعي أهلي و عشيرتي في يومي الموبوء .. أترقب بلهفة الإشتياق لأي إنسان أسلم عليه .. أي أنسان .. حتى حتى سعيد خمجة بائع الحشيش في حيينا .. أي أنسا غير القمامة البشرية التي ركبت معها .
فتشت جيوبي و لم أجد سوى ورقة الخمسة الدنانير ببضانة الإبل المطبوعة عليها .. و سألته بكل أدب إن كانت توجد لديه فكه .. (( الجيب خالي و الرب عالي ي ساحبي .. أنزل صرف مالدكان الجاي كنك نازل قريب ))

دخلت دكانة موهمد السوداني .. راجياً الله و إياه أن يصرف لي فكة الخمسة دينار .. أطال موهمد الحديث قبل أن يصل للمكان صوت مشاجرة ..


مو سيقى تصويرية : مباراة ريال مدريد و سرسقطة .. تعليق علي الكعبي (( ي رباااااااااااااااااااااااااااااه مالذي يحدث أمامنا))

سائق السيارة السوداء يطبق على رقبة أحدهم بساطور برازيلي .. الرجل غارق في الدماء .. الناس لاحول لهم ولا قوة .. الكل يتفرج .. أنا .. أنا أدخل الخمسة دنانير إلى جيبي .. أنا .. أنا أهرب إلى منزلنا .. ولن أخرج منه إلى أن يبث الله في أمر هذا المجتمع المتهالك.


النهاية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s