بعض مِنَ الظنّ

 

و أنتَ الذي تظنُ في هذا الوقت أن الشئ الوحيد الذي وهبه لك الله ألا وهو عقلك سيجعلك أفضل منهم كُلهم و سيحترمك الناس لأجله و أنا أقول لك أن هذا وهم عظيم و لا وجود له اليوم ,وقد ولى زمن إحترام العقول و الفِكر فاليوم إن لم تكن مشهوراً أو وسيماً أو غنياً أو قوياً فلن يحترمك أحد, و سينبذك الجميع تماماً كدرويش يقبع أمام باب المسجد بعد صلاة العشاء .

و العالم لا يقبع تحت أقدامك التي لاتراها لكبر معدتك البدينة و الأرض لاتدور حولك ولا تُحاكي دوارانها حول نفسها و حول الشمس لأجلك ولا لأجل رغباتك و طموحك  .. فما الحل؟

و الحل في أن تجعل نفسك شئ ضخماً جداً و تقفز أعلى الكون لتربط الأرض بسلك سميك و تقوم بتدويرها حولك .. لكنك ستدور حول نفسك مع ذلك و مِن شدة الدوران لن تحس بشئ فيفقد كل شئ نكهته و طعمه و ستحس في لحظة ما أنك أنت من يدور حول الأرض و ليس العكس.

و “الحاج علي” رُغم ذلك لن يزوجك إبنته لمُجرد أنك تملك عقلاً مُختلف و إبنة “الحاج علي” نفسها لن تتزوجك لأنك قرأت كثيراً مِن الكتب و تعرف أمورً كثيرة عن أشياءِ كثيرة .. فلماذا؟

أجبني أنت كيف لي أن أشتري بأفكارك المختلفة سيارة و كيف سأتناول وجبة عشاء في مطعم فاخر مقابل معرفتك للأمور الكثيرة عن الأشياءِ كثيرة , و الحياة لاتسير بهذا الشكل في عالمنا الرأسمالي المادي و المادي جداً  و قد ولى زمن قيمة الإنسان التي تساوي مافعله بين حياته و مماته و أصبحت قيمة الإنسان في كم يساوي مِن المادة أو مِن الدنيويات الأربع, الشهرة و حسن المظهر و الغنى و القوة.

و أنت لن تمتلك أي من الدنيويات الأربع لمجرد أن الله الذي تعبده يحبك!

ولا لمجرد أنك تسجد له في اليوم خمس مرات أو لأنك تزكي و تصوم و تجاهد فلو كان ذلك فدعني أسألك كيف فعل زعيم القبيلة الغني بالذهب في غابات إفريقيا ذلك! .. و هو الذي لا يعبد شئ و لا يعرف معنى كلمة الله و عن معنى العبادة أي شئ .. و المشكلة ليست أنه لا يعرف .. المشكلة في أنك أنت الذي تجوب شوارع بنغازي و تحفظ المقاهي و الأرصفة عن ظهر قلب لإحترافك الجلوس عليها  تعرف ذلك .. ولكنك لا زلت تظن أنك ستصير غنياً أو مشهوراً أو قوياً فقط لأن الله يحبك.

 إذا مالذي سيحصل لو كانت حياتك و مجراها تحت تصرفك .. تحت أمرك .. تفعل بها ماتشاء دونما أي فرصة من تعليق فشلك على شماعات الله الكبيرة و الكبيرة جداً .. إن كُل هذه المشاكل و المعوقات و التي تُسمى في عُرف رجل المرور “مطبات” بعضها طبيِ كما يُقال في شارعنا الصغير و بعضها جعلت منه الخرسانة أكثر بروداً و قسوة مِن قلب إحداهن حطمت فؤاد أحدهم .. و أنتَ تعلم جيداً أن الناس لن تزيل المطبات مِن شارعك إلا إذا صنعت أنتَ مطبات أكثر قساوة في شوارعهم و هذه هي الحرب حيث الشر و الشر الموازي و ردة الفعل الصحيحة و التي تجعلنا نؤمن على نحو ما أن الشر و المكر أداة النجاح في الكون أكثر بكثير مِن الخير .

 

 

Advertisements

أنا أكتب الأن

إشارة مرور .. مطفئة .. مفترق الطرق .. يمين .. يسار .. أمام .. خلف .. وازناً .. قوة .. أسفل … إيمان.

مستشفى الجمهورية .. أمي تلدني الأن .. أنا أّبى الخروج .. كيف وافق أبي أن يعبث دكتور النساء و التوليد برحم أمي .. أنا أغير على أمي الأن و أرفض الخروج .. أتوني بداية .. بدكتورة .. إنها الدياثة و كل الدياثة في عقول الكثيرين.
أنا خرجت منذ قليل .. ماكل هذه الأسلحة و ماكل هذه الرشقات مِن الرصاص المنحس .. أين أمي و أمي و أمي و أبي.
إنها الجادة ذاتها و السوق ذاته .. محلات العكشي .. (أي سرووووووووال بعشرة أي مالية بخمممممممسة)).
في حالة شديدة السريالية أركب حافلة بركة بوهديمة .. فقط بربع دينار يمكنك أن تسافر من شمال المدينة إلى أقصى جنوبها .. كان هذا في زمن قد ولى .. أربع قذائف من مورتور الهاون تسقط .. لن أقول أبداً من أين خرجت و من أطلقها .. سأبتلع السر برشفة قرابة و عكشة سبسي .. ((بلا حيلة قوم بلا حيلة )) .. مشغل الموسيقى في الحافلة صوته عالِ جداً .. لم يتبقى أي أحد مِن الركاب سواي ..

السائق يسألني : وين نازل ي عمو؟
أجيب : بوهديمة عند البريد إن شاء الله.
السائق : السكن بوهديمة؟
أجيب : أها

السائق : لحسة و كريمة على عويلة بوهديمة .
إنها تلك الضحكة المزنجرة و المزعجة التي تميز سائقي الأجرة عن غيرهم من الخليقة .. و لا أعلم لماذا يتحدث الناس دائماً بصوتِ عالي و سألت صديقاً لي يُحسن فهم ناس عندما أرسلت له خطاباً ذات مرة .
ياصديقي .. أحقا أن الله يقبع فوق؟ أنا لم أراه .. و لم أرى الطيور و السحاب و الشمس .. لا أرى شئ سوى نور ساطع شديد النصوع و وجه تلك الخمرية ذات العينين الشاحبتين السوداويتين و الشعر الكستنائي القصير .. و أعود و أشرب أكواب القهوة بكثرة و أنفخ النيكتون بكثرة ولا أرى شئ ولا أسمع شئ .. و في بنغازي ياصديقي أنا أعاني مِن الضوضاء و الناس هنا يتكلمون بصوت عالِ جداً .. و الروائح كريهة .. و الكل هنا نيام .. الكل مغيبون .. لا يوجد من يملك من الوعي أن يخبرني من أنا و كيف جئت إلى هنا؟ ولماذا هنا بالذات .. ولماذا يُصر ذلك القدر الزامل أن يبقيني هنا؟ أنا الأن أشعر بالكره ياصديقي ولم أعد أرى الحب في أي مكان ولا حتى في وجه أمي التي تكسر ظهرها و وسطها طوال اليوم تدعك الصحون و تعد الغذاء في المطبخ ..

و عندما تتوفى أمي ذات يوم سيكون أثناء غسلها للصحون  أو الملابس أنا مؤمن بذلك جيداً .. و هكذا حال الناس في بنغازي .. لايعلمون شيئاً عن أي شيئ و قد نجح المخرج في فيلمه عندما جعل الشر ينتصر على الخير و ظن الناس .. أعني كل الناس أن الخير إنتصر على الشر و بالطبع ليس هنالك خير مُطلق و شر مُطلق .. و بأي حال مِن الأحوال لن يعرف الناس ربهم إلا عندما يتوقف الملتحون بكل أطيافهم عن إصدار الأوامر و التشريعات .. و التحليل و التحريم .. و يدعون الناس يعيشون بهدوء و يتركون عمل الله لله .. و صديقي العقوري و العقوري جداً يريدني أن أجهز ملابسي و أبيع ما أملك و أتجهز للعودة إلى وطني على حد وصفه .. و يقول أن بنغازي ملكُ لقبيلته .. و أقول له بأن بنغازي هي الأرض التي ليست ملكاً لأحد .. و لكنها أرض و أرض الأرض .. فهل إنتحر رائد الفضاء بعد؟

الصديق يونس الذي أفرج عنه جهاز مكافحة الإرهاب بالأمس يوافقني الرأي .. و هو يلعن قعيم دائماً .. و علي الذي أفرج عنه جهاز المباحث الجنائية أول أمس لا يلعن أحد و يطلب مننا أن لانعود للنقاشات السياسية .. و يقول أنه يحضر دروس السلفية في خلوة الجامع بكثرة .. خسارة كبيرة أن لايعود لنا علي الذي قد عرفناه .. و المشكلة ليست في علي فقط .. هل ستعود بنغازي مثلما عرفناها؟

و المشكلة أنها هي الخلوة  ذاتها التي كان صوت المدائح و حلقات الذكر يخرج منها في وقت سابق عندما كانت بنغازي تُسمى حبيبة الصالحين .. و حيث هُدمت كل قبور الصالحين و حيث إعتلى المنابر أغلب الطالحين فأنا أكتب من جديد .. أنا أكتب الأن .. بلوحة المفاتيح .. قبعة الباري و قلم الحبر والورق الأصفر الفاخر هو حكر على المثقفين و الأدباء ..  أنا شارع .. به شوكة و قطارة و خرارة و به وضائم في حالات الوفاة و عزائم تكفي الجميع في الأعراس و المناسبات السعيدة فلماذا أحتاج لقبعة الباري و باقي الخردة؟