تحت غبار الأرفف

النور الذي تتجرعه دفعةً واحدة .. حتماً سيخلف لك الظلام .كان اليوم عادياً .. بل جداً .. و كانت السماء و الهواء بدون أي مؤثرات كتابية قد يخفيها الكاتب أو ينثرها على وجه الكتاب أيضاً دفعة واحدة.

وكانت كل ناطحات السحاب في بنغازي لاتكفي الناس للعيش رغم بعدها عن المدينة القديمة .. على رفات بوهديمة وقف يبكي وحيداً يشكُ ربه إن أردت ياقارئي وجوده.

إنه من النوع القليل جداً الذي يستطيع فعل أي شيئ عجيب و الذي له امكانيات هائلة و التي بها يمكنه أن يكون مشهوراً او عظيماً او ناجحاً و لكنه يفضل أن يجالسك المقهى عن ذلك و أن يحكي لك عن مواقف كثيرة جداً و قصص لم تسمع عنها من قبل لتعود لتقصها على حبيبتك ليلاً و يعود هو ليكون وحيداً في الظلام.

هذا النوع القليل تتلخص حياته في “أنه كان يمكنه”

و أن هذه الأنه كان يمكنه تؤلمه جداً

وكان المقهى فارغاً عندما تجراء أحدهم في عناده حتى صرخ هو بصوت عالِ : أنت شخص أجوف .. لا تعلم شيئاً .. لا تعلم أنني كان يمكنني أنـ…… لم يكملها .. هكذا قالها .. ثم بكى.
إنه ذلك النوع من القصص التي قد تأتي لخيالك صدفة أو قد تختلقها أنت لمجرد رغبتك في أن تكتب شيئ واحد فقط .. يخبرك أنك حي هنا.
ذلك الشعور الذي لن تشعر به و أنت تتوسط جموعاً من المعارف الذين قد تكون تحبهم او الذين قد أرغموك على حبهم،أيضاً رغماً عن القهوة و الماء و القرابة التي تشربها خلسة وسط الظلام و بين ثنايا الليالي لاتضاهي شعور النشوة بأن تكذب على الناس بالحروف التي يتكلمون بها و يصدقوك رغماً عن أنفسهم اللوامة دائماً.
“تفنى بنغازي قبل الخلق بأربعين عام”

نقلاً عن عبد السلام الأسمري قاطعني صديقي و أنا أحدثه عن أيام شردني الإمساك فيها و الذي ظن صديقي أنه إمساك البراز .. بينما هو إمساك عن شئ أخر لن أخبرك أنت ياقارئي به.
ثم الموت لنا جميعاً .. بما أن الحياة خُصصت للبعض و لم تكن لنا جميعاً .. إنه ذلك الحقد على كل الناجحين في أي شيئ و عن من خصصت لهم الحياة و حُرمت علينا نحن الماضون بالعيش في هذا الثقب الأسود .
أنا لا أكتب بسوداوية .. أنا أكتب ببياض شديد النصوع لدرجة أن عيناك الكبيرتان الزائغتان تراه سوادً.
و المشكلة ان هذه الصفحة بها مجموعة من الأسطر التي لاتهمك و التي لن تهمك و التي أكتبها فقط لكي لا أشعر بالملل

و قد تظل الحقيقة التي خبئتها عن نفسي عدة مرات ..
أنني لم أحاول الكتابة بعد ..

Advertisements

مِحّ

فوق تلك اليابس و تحت ذلك الظل و عبر ذلك الهواء كنت تقول لي أنني أفشل كل يوم .. و أنني سأفشل في كل يوم أكون فيه هنا .. و أن هنا أي فوق تلك اليابسة و تحت ذلك الظل أرض بور .. لاينفع حرثها .. و كنت أقول لك أن تلك الهُنا كانت لي و لأول مرة أقول كلاماً عنك و ليس لك.أخي العزيز في الحرب و السلم .. أنا أكره أن أراك بهذا الضعف و الوهن .. و أكره أن تبكي أنت أمام كل هؤلاء أو البعض من الهؤلاء .. و أكره الموت .. و أكره أن الله فعل بك هذا .. و أحسد أخاك في قبره .

ثم ألم يحن موعد هجران تلك اليابسة و ذلك الظل عبر ذلك الهواء ؟

ألم تكفي تلك الوضائم في كل تلك التعزيات؟

ألم تُشبع هذه الحرب رغبتنا في الموت فصرنا نموت كل يوم ؟

ثم ماذا؟ إنها ليست بلادنا يارفيقي .. ليست لنا .. الفوضى التي نتجرعها اليوم لم نقتطرها من الأساس .. و إذ تقول لي بلسان النصح أنني أسكر كُل يوم بشكل مُفجع يجعلني أغرق و أفشل أقول لك أنني أحاول الاستفاقة من ثملنا طيلة العامين الماضيين .. أنا أصحوا.

وقد بداء الأمر عند شعوري الأول بأن هذه الحرب تُغيرني و تجعلني اكثر تعقيداً و أنتهى يوم رقود أخاك في تلك الحفرة الأكثر أماناً من كل الشوارع فيما تبقى من بنغازي .. الأن نحن لسنا بشراً .. نحن أقرب لمجموعة من القرود تحترب بعضها بعضاً.

ثم اكرر ماقلته للعامل البنقلاديشي في المقهى .. انا اشعر انني اكبر من كل هذا .. اكبر من الحرب .. لكنني اقل اشتعالاً منها .. انا انطفئ هنا شيئاً فشيئ .. اصراري على البقاء يساوي اصراري على الهجرة لكن الهجرة لم تترسخ في عقلي بعد .. ولا في جيبي أيضاً .

أعني كيف للمرء أن يهجر كتاب التاريخ و هو يُكتب؟

وكيف له أن يهاجر الأرصفة و الأصدقاء و الخبز .. الخبز الجميل .. اااه من خبزناً المعجون بدمائنا و عرقنا .. هل له أن ينضج قليلاً؟