مابعد السريالية

و قد اشرقت الشمس .. و لم استيقض انا .. كنت مستيقضاً بطبيعة الحال .. و كذبت على نفسي و على الماء و مثلت انني استيقض الأن.ادلف الماء على وجهي و اغسل شعري الذي بداء في التساقط و احدث الناس بكل ود و اقول لهم كلماتِ يحبونها.

انا امشي دون أدني رغبة في النوم .. اقتحم الشوارع تماماً كدبابة تهتك عرض الفلوجة او بغداد .. استرق النظر عبر النوافذ و الشُرف و أرى ألعاب الأطفال و قوارير السكارى و كُتب الطلبة و ملابس العاهرات .. و الناس نيام .

و هنا البحر .. الشاطئ المتعرج و المتموج .. كخيال راقصة .. تكلمني كل يوم و تحكي لي قصص قبل النوم .. و أكذب عليها كثيراً و اقول لها كلاماً لا أصل له عن مغامراتي في الصحراء و الحرب و عن اشجار التين و اللوز التي لم اراها يوماً و التي لا تنبت في الصحراء من الأصل و عن شارعنا الضيق.

(( ذات يوم مرت الحرب من هنا و مات بدر و احمد و محمد و حمد و علي، و مت انا، و لكنك أحييتني و اطعمتيني عسلاً و خبز و ااسقيتني عصير العنب،كنت اخاله نبيذاً إلى ان سكرت بك .. و لم أشاء أن أرى شيئاً و انا ثمل .. حتى وجه السماء و التي ارفع وجهي إليها لأرى الله .. فأراك أنتِ .. و أكفر.))

و الشوارع لاتبدوا موحشة و هي خالية .. بل تبدوا اكثر كسراً للملل .. ابعد مايمكن عن الكساد .. تكنسها الملائكة و تغسل زجاج محلاتها و تمسح قيئ السكارى عن أرصفتها ،خالية من أثار قدمي الوحش .. و من خدوش خفافيش الشتاء .. هكذا بدت في النهار .. إنها عروس .. عروس حقيقية .. اكذب عليها كل يوم .. و هي تضحك لأنها تعرف أنني اكذب عليها في كل شئ.

(( ذات صباح .. استيقظت انا بدون كذب .. اهلاً أيتها العروس .. صباحُكِ كـ بنغازي .. قبل أن تكون بلا شاطئ ..و تناولنا معاً اللحم على الإفطار ، و حدثتها عن الراقصة التي تركتني وحيداً،لربما ملت من كذبي، لربما إلتقت من هو أكثر كذباً و أقل رتابة مني،ولربما أنا لم ألتقيها من الأساس.))

Advertisements

إلهنا العزيز في السماء و الأرض

إننا خليقتك .. إننا مِنكَ و إليك كما تخبرنا .. فلماذا لم نعد نستشعر ذلك؟

وقد وجد الظالون من خليقتك ي إلهِ العزيز و العزيز جداً طريقتهم ليشعروننا بذلك كما تعلم و خرجوا علينا بتشريعات و نواميس بعضها مِنك و بعضها عليك حتى وصل الحال أن تعددت الألهة و أنت الوحيد الذي لاشريك لك كما يُفترض.

و أنا مِن خليقتك ي إلهِ العزيز  أجهر أنني أضعف كثيراً من أن  أكفر بوجودك و قد حاولت و فشلت ,حتى عندما جبت شوارع بنغازي ذاهباً و إيابً باحثاً عنك ,, وجدتك في قلبي ,, ثابتاً فيه كثبات الغرسة في الأرض  ,, و المشكلة بدأت كما تعلم عندما أذنت للحالة الذهانية المسماة “الشيطان” أن تتحكم في عقلي . و الحل كان دائماً  عند المردين إذا أرشدونني للعزلة و كان فيها ما كان من لقاءات جميلة بيك و إنك إذا تحملنا بين كفيك بحرص شديد إلا أن ذهانية الشيطان تجبرنا على أن نقفز منهما و نختارها.وقد وجدت في ذلك معنى الفرق بين العبودية و العبادة إذا أننا عبادك وليس عبيدك فقد غرست فينا و وهبتنا حرية الإختيار حتى ولو كان إختيار القفز من بين كفيك إلى أحضان الدنيا.

و العالم أصبح مكاناً أسوء للعيش و أبناء خليفتك في الأرض أدم قد جعلوها جحيماً و القيمة لنا كمجموعة منَ البشر أصبحت تساوي أعداد براميل من بول أسود أو وريقات شجر أخذ ثمنها يقلب العالم رأس على عقب و القيمة الفعلية لهذه الأوراق و البراميل لا تساوي شيئاً حقيقياً غير أننا إبتعدنا بطريقة مرعبة عن اللاملموس لنجد انفسنا في عالم لا يؤمن إلا بما هو ملموس إلى المادية اللعينة دون أدنى محاولة للحفاظ على الإرث البشري الذي خُلقنا به في الأصل و الذي كان يجعل فارقاً كبيراً بيننا و بين الحيوانات و البهوميات.

و فجأة بُعيد إنفجار حالة العالم الملموس و المادي أصحبت مأخذ المفاهيم كالحب و الرحمة و الإحترام تتغير نحو أفق مادي غريب فـ الدولة الضعيفة لا يرحمها أحد و الدولة القوية لا يحبها أحد و الدولة الفقيرة لا يحترمها أحد و كذلك طٌبقت مفاهيم الإحترام و الحب و الرحمة على البشر أنفسهم.

و نحن ماتبقى مِن عبادك في ليبيا ي إلهِ العزيز إذا بلغ سيل الحال فينا زباه و أيعنت رؤوسنا منتظرة القطاف نستشعر في أنفسنا و عقولنا التي هي خليقتك من الأساس بعض الإمتعاض عن ماوصلنا إليه ولا نعلم في حقيقة الأمر إن كنا رمينا بأنفسنا إلى تهلكة أو التهلكة أم نحن في حال الصابرين و بشرتهم أم هي جزية المحسنين التي وعدت.

 

بعض مِنَ الظنّ

 

و أنتَ الذي تظنُ في هذا الوقت أن الشئ الوحيد الذي وهبه لك الله ألا وهو عقلك سيجعلك أفضل منهم كُلهم و سيحترمك الناس لأجله و أنا أقول لك أن هذا وهم عظيم و لا وجود له اليوم ,وقد ولى زمن إحترام العقول و الفِكر فاليوم إن لم تكن مشهوراً أو وسيماً أو غنياً أو قوياً فلن يحترمك أحد, و سينبذك الجميع تماماً كدرويش يقبع أمام باب المسجد بعد صلاة العشاء .

و العالم لا يقبع تحت أقدامك التي لاتراها لكبر معدتك البدينة و الأرض لاتدور حولك ولا تُحاكي دوارانها حول نفسها و حول الشمس لأجلك ولا لأجل رغباتك و طموحك  .. فما الحل؟

و الحل في أن تجعل نفسك شئ ضخماً جداً و تقفز أعلى الكون لتربط الأرض بسلك سميك و تقوم بتدويرها حولك .. لكنك ستدور حول نفسك مع ذلك و مِن شدة الدوران لن تحس بشئ فيفقد كل شئ نكهته و طعمه و ستحس في لحظة ما أنك أنت من يدور حول الأرض و ليس العكس.

و “الحاج علي” رُغم ذلك لن يزوجك إبنته لمُجرد أنك تملك عقلاً مُختلف و إبنة “الحاج علي” نفسها لن تتزوجك لأنك قرأت كثيراً مِن الكتب و تعرف أمورً كثيرة عن أشياءِ كثيرة .. فلماذا؟

أجبني أنت كيف لي أن أشتري بأفكارك المختلفة سيارة و كيف سأتناول وجبة عشاء في مطعم فاخر مقابل معرفتك للأمور الكثيرة عن الأشياءِ كثيرة , و الحياة لاتسير بهذا الشكل في عالمنا الرأسمالي المادي و المادي جداً  و قد ولى زمن قيمة الإنسان التي تساوي مافعله بين حياته و مماته و أصبحت قيمة الإنسان في كم يساوي مِن المادة أو مِن الدنيويات الأربع, الشهرة و حسن المظهر و الغنى و القوة.

و أنت لن تمتلك أي من الدنيويات الأربع لمجرد أن الله الذي تعبده يحبك!

ولا لمجرد أنك تسجد له في اليوم خمس مرات أو لأنك تزكي و تصوم و تجاهد فلو كان ذلك فدعني أسألك كيف فعل زعيم القبيلة الغني بالذهب في غابات إفريقيا ذلك! .. و هو الذي لا يعبد شئ و لا يعرف معنى كلمة الله و عن معنى العبادة أي شئ .. و المشكلة ليست أنه لا يعرف .. المشكلة في أنك أنت الذي تجوب شوارع بنغازي و تحفظ المقاهي و الأرصفة عن ظهر قلب لإحترافك الجلوس عليها  تعرف ذلك .. ولكنك لا زلت تظن أنك ستصير غنياً أو مشهوراً أو قوياً فقط لأن الله يحبك.

 إذا مالذي سيحصل لو كانت حياتك و مجراها تحت تصرفك .. تحت أمرك .. تفعل بها ماتشاء دونما أي فرصة من تعليق فشلك على شماعات الله الكبيرة و الكبيرة جداً .. إن كُل هذه المشاكل و المعوقات و التي تُسمى في عُرف رجل المرور “مطبات” بعضها طبيِ كما يُقال في شارعنا الصغير و بعضها جعلت منه الخرسانة أكثر بروداً و قسوة مِن قلب إحداهن حطمت فؤاد أحدهم .. و أنتَ تعلم جيداً أن الناس لن تزيل المطبات مِن شارعك إلا إذا صنعت أنتَ مطبات أكثر قساوة في شوارعهم و هذه هي الحرب حيث الشر و الشر الموازي و ردة الفعل الصحيحة و التي تجعلنا نؤمن على نحو ما أن الشر و المكر أداة النجاح في الكون أكثر بكثير مِن الخير .

 

 

أنا أكتب الأن

إشارة مرور .. مطفئة .. مفترق الطرق .. يمين .. يسار .. أمام .. خلف .. وازناً .. قوة .. أسفل … إيمان.

مستشفى الجمهورية .. أمي تلدني الأن .. أنا أّبى الخروج .. كيف وافق أبي أن يعبث دكتور النساء و التوليد برحم أمي .. أنا أغير على أمي الأن و أرفض الخروج .. أتوني بداية .. بدكتورة .. إنها الدياثة و كل الدياثة في عقول الكثيرين.
أنا خرجت منذ قليل .. ماكل هذه الأسلحة و ماكل هذه الرشقات مِن الرصاص المنحس .. أين أمي و أمي و أمي و أبي.
إنها الجادة ذاتها و السوق ذاته .. محلات العكشي .. (أي سرووووووووال بعشرة أي مالية بخمممممممسة)).
في حالة شديدة السريالية أركب حافلة بركة بوهديمة .. فقط بربع دينار يمكنك أن تسافر من شمال المدينة إلى أقصى جنوبها .. كان هذا في زمن قد ولى .. أربع قذائف من مورتور الهاون تسقط .. لن أقول أبداً من أين خرجت و من أطلقها .. سأبتلع السر برشفة قرابة و عكشة سبسي .. ((بلا حيلة قوم بلا حيلة )) .. مشغل الموسيقى في الحافلة صوته عالِ جداً .. لم يتبقى أي أحد مِن الركاب سواي ..

السائق يسألني : وين نازل ي عمو؟
أجيب : بوهديمة عند البريد إن شاء الله.
السائق : السكن بوهديمة؟
أجيب : أها

السائق : لحسة و كريمة على عويلة بوهديمة .
إنها تلك الضحكة المزنجرة و المزعجة التي تميز سائقي الأجرة عن غيرهم من الخليقة .. و لا أعلم لماذا يتحدث الناس دائماً بصوتِ عالي و سألت صديقاً لي يُحسن فهم ناس عندما أرسلت له خطاباً ذات مرة .
ياصديقي .. أحقا أن الله يقبع فوق؟ أنا لم أراه .. و لم أرى الطيور و السحاب و الشمس .. لا أرى شئ سوى نور ساطع شديد النصوع و وجه تلك الخمرية ذات العينين الشاحبتين السوداويتين و الشعر الكستنائي القصير .. و أعود و أشرب أكواب القهوة بكثرة و أنفخ النيكتون بكثرة ولا أرى شئ ولا أسمع شئ .. و في بنغازي ياصديقي أنا أعاني مِن الضوضاء و الناس هنا يتكلمون بصوت عالِ جداً .. و الروائح كريهة .. و الكل هنا نيام .. الكل مغيبون .. لا يوجد من يملك من الوعي أن يخبرني من أنا و كيف جئت إلى هنا؟ ولماذا هنا بالذات .. ولماذا يُصر ذلك القدر الزامل أن يبقيني هنا؟ أنا الأن أشعر بالكره ياصديقي ولم أعد أرى الحب في أي مكان ولا حتى في وجه أمي التي تكسر ظهرها و وسطها طوال اليوم تدعك الصحون و تعد الغذاء في المطبخ ..

و عندما تتوفى أمي ذات يوم سيكون أثناء غسلها للصحون  أو الملابس أنا مؤمن بذلك جيداً .. و هكذا حال الناس في بنغازي .. لايعلمون شيئاً عن أي شيئ و قد نجح المخرج في فيلمه عندما جعل الشر ينتصر على الخير و ظن الناس .. أعني كل الناس أن الخير إنتصر على الشر و بالطبع ليس هنالك خير مُطلق و شر مُطلق .. و بأي حال مِن الأحوال لن يعرف الناس ربهم إلا عندما يتوقف الملتحون بكل أطيافهم عن إصدار الأوامر و التشريعات .. و التحليل و التحريم .. و يدعون الناس يعيشون بهدوء و يتركون عمل الله لله .. و صديقي العقوري و العقوري جداً يريدني أن أجهز ملابسي و أبيع ما أملك و أتجهز للعودة إلى وطني على حد وصفه .. و يقول أن بنغازي ملكُ لقبيلته .. و أقول له بأن بنغازي هي الأرض التي ليست ملكاً لأحد .. و لكنها أرض و أرض الأرض .. فهل إنتحر رائد الفضاء بعد؟

الصديق يونس الذي أفرج عنه جهاز مكافحة الإرهاب بالأمس يوافقني الرأي .. و هو يلعن قعيم دائماً .. و علي الذي أفرج عنه جهاز المباحث الجنائية أول أمس لا يلعن أحد و يطلب مننا أن لانعود للنقاشات السياسية .. و يقول أنه يحضر دروس السلفية في خلوة الجامع بكثرة .. خسارة كبيرة أن لايعود لنا علي الذي قد عرفناه .. و المشكلة ليست في علي فقط .. هل ستعود بنغازي مثلما عرفناها؟

و المشكلة أنها هي الخلوة  ذاتها التي كان صوت المدائح و حلقات الذكر يخرج منها في وقت سابق عندما كانت بنغازي تُسمى حبيبة الصالحين .. و حيث هُدمت كل قبور الصالحين و حيث إعتلى المنابر أغلب الطالحين فأنا أكتب من جديد .. أنا أكتب الأن .. بلوحة المفاتيح .. قبعة الباري و قلم الحبر والورق الأصفر الفاخر هو حكر على المثقفين و الأدباء ..  أنا شارع .. به شوكة و قطارة و خرارة و به وضائم في حالات الوفاة و عزائم تكفي الجميع في الأعراس و المناسبات السعيدة فلماذا أحتاج لقبعة الباري و باقي الخردة؟

 

ليالِ بنغازي

بنغازي .. بنغازي .. بنغازي .. و صوت ترانيم مرسكاوي .. فتاة عشرينية ترقص على النغم .. تهيم .. شعرها يفارقها يميناً شمالاً .. غجرية .. سمراء .. مالحة كبنغازي .. عيناها الشاحبتان مغمضة .. متحدة مع النغم .. نغم المرسكاوي و أخدايد سراب راقصة على شاطئ ضحل .. كنت أنا .. و كان حسن .. و كان أحياناً المغربي .. نلتقط الصور .. نشرب قصب السُكر من الشندويلي و نجالس الصخرة المقدسة بعناية خريبيش .. و كانت بنغازي دون أدنى فكرة على ماهي مُقدمة عليه.
اااااااه ي بنغازي أتوسل إليك و أنا متوضئ بملح مياهك .. ياأيتها الأرض النجسة .. عودي بحق الألهة .. دعينا نعش فيك يوماً يملكنا ولا نملكه .. ليسرقنا الوقت .. و سنضمن أن لايقبض عناصر البحث الجنائي عليه ..
ليش اتقرب و اتباعد تاني؟
توعد و تخلف موعدك ماتجيني
لا مركبك وسط الغريق رماني
و لاهو على شط النجاة راميني
ولا زالت الراقصة العشرينية تلعب برمش العين .. أنستني كيف أكل الكبدة التي أمامي .. في بنغازي نُحب الكبدة .. نصنع منها قلاية .. وجبة الملوك و السكارى .. لا غنى عن القلاية الحارة في ليال القرابة القارصة و الغنية بالجو السمح.
الجو السمح نحترف صناعته .. بأقل الإمكانيات و المواد نصنع الجو السمح .. قد تكفي مكياطة و سيجارة .. أو طاسة خضراء و سيجارة .. المهم أن السيجارة موجودة و اللمة الحلوة .. و الصياع في بنغازي رحماء مع الناس أشداء فيما بينهم .. و بنغازي لاترحم أحد .. خاصة المضاحك .. سرعان مايموتون .. ربما برصاصة .. رصاصة رحمة .. كتوفيق و سامي .. ااااااه أيها الملاعين لا أكاد أشرد حتى يقودوني الشوق إليكما .. إلى زياد ..و إلى كل دفين بمقبرة الهواري .
وفي وصف بنغازي أنها ببساطة خطيئة الأرض و الشعوب .. و أن أهلها كانوا يسكنون الجنة فعاقبهم الله و أنزلهم بنغازي .. دربوكة .. بندير .. و عود مصري من دار الموسيقى العربية .. لنقيم حفلة .. و نغني .. و نبرول ..
خد السجيني .. وين قابل شرارة .. كنز في ديارة .. تحلف كنانة بارقة في قرارة.
ولا يهم أن يكون صوت الذي يغني جميلاً .. المهم أنه يحفظ الكلمات و اللحن .. و نحفظ نحن الكورس .. و الأهم أن نكون جميعاً من بنغازي .. حتى تحضر أرواح الصالحين .. غازي و نجم و خريبيش و يونس و حسين و داؤود و يغنون معنا .. الإسلام مُنزوع الفن و الإبداع دين مقرف لا أؤمن به .. الأذان فن و موسيقى .. تلاوة القرأن فيها من الفن و الموسيقى مالا تجده في غيره.

و في التكملة أشهد أن لا مدينة إلا وحدك بنغازي جميلة حتى في أوقات الحرب .. مملة حتى في أوج الإثارة .. دون قيود نقول فيك مانشاء وقتما نشاء .. على نحو ما أتمناك اليوم و أرغب بك غداً و قد لا أصلك .. و قد أصلي لك و فيك .. و عليك صلاة الغائب حينما ينام الجميع.

تمت

سائق السيارة السوداء.

في سيارة أجرة ,صحبة هلام بشري  يمسك المقود بما في الدنيا من لامبالة ,الطقس يتمنيك .. تارة يكون ترابياً  ساخناً و تارة تدخل نسمة ربيعية جميلة تلطف الجو و كأنها نفحة من بفرة مُعمرة بالحشيش .. سائق السيارة السوداء سار بينا شمالاً نائياً عن زحام بنغازي عاصمة الكساد في العالم .. لا أحد يكترث لأمر أحد سوى رجال البحث الجنائي الذين يكترثون لأمر الجميع و يتعمقون في دواخل القلقلة بكل ما في الدنيا من صرومية.

بداء سائق الأجرة في الحديث عن كل شيئ .. لا أمر لي سوى أن أستمع و أنفخ دخان سيجارتي في وجه السماء إعتراضاً .. يصيح و يخفض صوته حسب مايتطلبه الموضوع من مؤثرات لعابية و صوتية.
(( ي خالي خوووذ الشور الشايب هذا دزه لنا ربي .. تي دماغ ي را و يعرف الكتف منين توتكل .. تي قصدك الشايب مش دماغ؟))

أنا : لا كيف,دماغ الشايب.
(( تي امالا شنو .. يعرف دينهم ي را الخوارج هضوم .. تي شفت لقطة الدقيق أنت؟.. تي خوذ الشور ي خيي الحرب خدعة راهي مقيولة … تي قصدك الحرب مش خدعة؟))

أنا : لا كيف,خدعة الحرب.
(( مغير نحن شعب فاسد حشاك .. تي حتى شباب توا ي را بيني و بينك راييحن يشكشكو و يلطوا .. و يجيك عالنت يحكيلك ع الرجالة في المحاور .. تي غير فكه من ذيلك قبل ي مبعر بعدين أحكي عليهم الرجاال))

قالها وهو يقفز بالسيارة في الإتجاه المعاكس للطريق و يتجاوز الجميع و يدير وجهه نحوي (( والله أنت شكلك شاب محترم و متاع قراية و عولمة .. عندي الواي شات متاعي لما فتحت بيه فيس معش با يشتغل و مالاخير خيك جديد عالفيس .. كذه شوفه بلكي تقدر تصلحه ))

وجدت نفسي أمعك نفايته الهاتفية و أرضخ لأمر الله الذي من الواضح أنه يمتحن إيماني بأن وضع لي هذا القدر.
وسط الزحام صمت الرجل و كأن مفعول شريط الكوبا الذي إبتلعه منذ قليل قد بداء .. و من حيث بداء بدأت سرعة السيارة في الإزدياد و أنا منهمك في معك هاتفه الأخرق,و فجأة صرخت فرامل السيارة كذبيحة معزة رومانية يُسمع صداها من بعد أسوار السلخانة ,و إذا بإمرأتان وضع الله فيهما من جمال مايكفي لإشباع فقراء رواندا مع أمهما,وجدت أن سائق الأجرة له ذوق في اللحم على عكس الهواتف لولا أنه صاح يزجمر بقرف الدنيا (( تي ذووووووبي ي شحمة .. تي زلحقني ي الأصلع .. تي بعبصني ي الأقطع .. تي شمني ي شدوق التفاح .. تي زوزيني بنتك ي أمي )).

ضحك كل من بالشارع قبل أن أدفن رأسي بطبلون السيارة لـ ألا يظن أحدهم بعض ظن السوء أن هذا الرجل عمي أو والدي أو رفيقي .. (( ريت ي ادبيبة بالله اللحمة الوطنية .. تي امالا العجلة اللي عندي في الحوش كيف بنرقد معاها لما نروح بس … تي صبررررررررنا ي ربي .. تي قصدك مش لحمة صح اللي توا؟)

أنا : لا كيف , لحمة صح.

بلقرب من جسر بوهديمة كدت أصل .. ببالغ الأسى أنعي أهلي و عشيرتي في يومي الموبوء .. أترقب بلهفة الإشتياق لأي إنسان أسلم عليه .. أي أنسان .. حتى حتى سعيد خمجة بائع الحشيش في حيينا .. أي أنسا غير القمامة البشرية التي ركبت معها .
فتشت جيوبي و لم أجد سوى ورقة الخمسة الدنانير ببضانة الإبل المطبوعة عليها .. و سألته بكل أدب إن كانت توجد لديه فكه .. (( الجيب خالي و الرب عالي ي ساحبي .. أنزل صرف مالدكان الجاي كنك نازل قريب ))

دخلت دكانة موهمد السوداني .. راجياً الله و إياه أن يصرف لي فكة الخمسة دينار .. أطال موهمد الحديث قبل أن يصل للمكان صوت مشاجرة ..


مو سيقى تصويرية : مباراة ريال مدريد و سرسقطة .. تعليق علي الكعبي (( ي رباااااااااااااااااااااااااااااه مالذي يحدث أمامنا))

سائق السيارة السوداء يطبق على رقبة أحدهم بساطور برازيلي .. الرجل غارق في الدماء .. الناس لاحول لهم ولا قوة .. الكل يتفرج .. أنا .. أنا أدخل الخمسة دنانير إلى جيبي .. أنا .. أنا أهرب إلى منزلنا .. ولن أخرج منه إلى أن يبث الله في أمر هذا المجتمع المتهالك.


النهاية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في الغياهب

و أعود إلى ربي فـ ديني ,و أسأل كل العارفين بدين الله و كل الأقطاب الظاهرين ليجدوا لي حلً .. أعني حلً واحد فقط لتلك التي أغرقتني في ديمومها

كانت الساعة تشرف على منتصف الليل عندما خُيلتي لي .. و كانت على تمام مُنتصف الليل عندما إرتديت ثوبي الأبيض الفضفاض الغارق في المسك و أجتنبت أن ألمس كل شيئ إلا التراب و الأرض و الماء و دخلتُ خلوتي أتأمل و أحتضر كل العارفين و أسألهم عنك .. ولا أتلقى إجابة واحدة .. إجابة واحدة لعينة كانت تكفي لأنهي كل شيئ و أنعم بالراحة .. و لأول مرة أسأل سيدي عبد القادر الجيلاني ولا يجيبني بشيئ ولا حتى بإنزعاج أو راحة .

و قد بلغ حُبك الزبى .. و العلقم فيه كأنه شهد خالد الطعم دائم الحلاوة .. و كانت تلك الفترة القصيرة بيننا .. أعني القصيرة جداً .. كأنها دهر .. و كأن الذي بيننا وِلد طفلاً و كبر و تشبب وشاب قبل أن يشيب شعر رأسه و حصل ما حصل.

و الكفر فيك إيمان

و الإيمان فيك معصية

و الله وحده ربما يعلم

و الله وحده ربما لايعلم إلى أين سننتهي .. إلى أين قد يحمل الطوفان سفينة نوح؟
و أنا لست بنوح .. و لست بعيسى و لا محمد فبذلك تكونين لستِ بعائشة .. و أكره كوني مُختلفاً و أحب أن أكون ذلك الشخص العادي .. العادي جداً .. الذي ينتظر نهاية دوام العمل فيعود لمنزله و يقراء الجريدة و أنتِ تعدين الغداء و تكويين الملابس .. و الذي حصل أنني خُلقت تيساً مُختلف عن باقي التيوس ..أرعناً و أخرق .. و لكنك تعدين الغداء .. لكن ليس لي .. و لكنك تكويين .. أعني تكوينني في كل مرة تحاولين فيها إبعادي عنك و أعود لأكوي نفسي عندما تحاولين فتح الجرح في كل مرة أحاول فيها إبعادك عني.

 

و الظلام فيك نور

و النور فيك شمعة

تضيئ ولا تحترق

لا أحد يحترق منك

سواي أنا .. تماماً كـ بنغازي التي تشبهينها كثيراً في عنادك و مكابرتك و برودك .. بنغازي تحرقني في كل يومِ لا أرى فيه خريبيش ولا  الشابي  و أنت تحرقينينني في كل يومِ لا أرى فيه سواك ولا أستطيع بلوغك .. في كل مرة أقترب فيها من إحداهن فأبتعد مسرعاً بعدما أرى صورتك في وجهها و بحتك حين تخبرينيني أنك إشتقتي في صوتها .. أعني ألم يحن موعد الفراق النهائي بعد؟

يتبع أم إنتهى؟.