بركة الدماء

مساء الجمعة الثالث و العشرين من أكتوبر وسط ماتبقى من بنغازي.
الجو رطب .. مرفق بنسمة بداية الشتاء .. رفقة الكاميرة صرت أمشي بين صفوف المتظاهرين الرافضين للوصاية و الذل و المهانة و الرافعين لشعار بنغازي و ليصمت الجميع .
ألاف الوجوه رأيتها اليوم حملت في ملامحها ملح بنغازي المدينة .. لا ألتقط الصور إلا للوجوه .. لا لافتات و لا صور جماعية فقط ألتقط الوجوه .. ذاك الخليط و النسيج الغريب لـ لباس بنغازي رأيته اليوم.
فزاني و مصراتي و بدوي و قريتلي و أمازيغي و تركي و مصري الأصل .. كلها كانت مجتمعة اليوم.
حملت حقيبتي على كتفي لأستعد للعودة مكتفياً بما إلتقطه من صور.
عند مروري بمخرج ساحة الكيش ألقيت التحية على رجل مرور يسير زحام الطريق الذي تسببت به المظاهرة حتى حانت اللحظة الذي ظننت فيها  أن عزرائيل جاء لتحيتي.

صوت إنفجار هائل ناحية جزيرة الدوران المزدحمة.

قذيفة!!
قتلى!!
جرحى!!
أشلاء!!
و عشرات من رجال الأمن و المدنيين يذهبون نحوها حتى غابت اجسادهم وسط الدخان الناتج عنها الكل هبوا لنجدة أخوتهم .. عجبت لأمر رجل وسط الطريق في السيارة ترك عائلته و زوجته بالسيارة و ذهب لنجدة المصابين .. كل السيارات تضغط “البيابات” و تكبر و تهتف لروح بنغازي.
لم يكد الدخان يختفي حتى سقطت القذيفة الثانية
فالثالثة
فالرابعة
فالخامسة
فالسادسة
و كان الجنون بعينه ..
البعض فقط هربوا و عادوا لمنازلهم .. حالة من الهيستيريا الجماعية ملئت المكان .. الكل يهتف بفناء روحه لأجل تراب بنغازي .. حتى النساء .. حتى الأطفال ..

ما بكم ياقوم؟
من اي طينة خلقكم الخالق؟
ألاترون الدماء؟
اليس فيكم شعور يسمى الخوف؟
أم مللتموه؟ فكرهتموه و لم يعد الخوف يخيفكم؟
ربما أنا غبي .. ربما الخوف صار يخاف أهل بنغازي .. او الأرجح أن الخوف باسل فلايقدر على ملح هذه المدينة و هم أهلها.

لم يخطر ببالي شئ سوى مقطع من رواية شكشوكة للروائي الليبي “محمد الأصفر” حين كتب عام ٢٠٠٣.

أنا الأن في بنغازي ..
أنا الأن أغني ..
وكانت ي حبيبتي المؤامرة ..
وكانت المدينة فالصباح ..
بركة الدماء ..
و كانت السماء في الصباح ..
مثلك باكية.

Advertisements

نصفُ رحلةٍ مِن بنغازي

كنا ثلاثة فتية في عربة معدنية مطلية بالأبيض تسمى  “فيتو” نجلس في الكرسي الخلفي .
و كان على اليمين شاب نازح من سوق الحوت و على اليسار شاب نازح من حي الليثي عرفت ذلك حين رميت أذني و أنا أركب و سمعت نقاشهما اما أنا بركاوي المنشاء و بوهديمي الهوى في منتصفهم.
أصدع سائق السيارة رؤسنا بصياحه عن وجود مكان شاغر  بالسيارة و التي أعلن أنها لن تتحرك إلا بإكتمال عدد الركاب.
عجبت لك يا أخي  مئة دينار على كل راكب لضاحية البيضاء لن تكفيك حتى يركب أحدهم كرسيك الشاغر!
ثم ما إن أكملت تساؤلي حتى ركب عجوز أسمر البشرة ذي ملامح فزانية صحبة حقائبه و بعض المواد الغذائية.
و بداءت رحلتنا لضاحية البيضاء من محطة الركوب بحي السلام على أنغام موسيقى النجع و صدى صوت محمد حسن الذي ما إن يدخل أذنيك حتى تستذكر أيام الجماهيرية  و الإستقرار و الأمن و الأمان و هكذا قال السائق حين فكر بصوت عال.
كان الطقس جافاً ممتلئاً بالعجاج و الأتربة رغم مرورنا بمراع المرج الخضراء و مزارع فرزوغة و العويلية الجميلة.
أشعل النازح من حي الليثي على شمالي سيجارة قبل أن يعرض علي التدخين .. رفضت حتى لا اغوص معه في نقاش يبكي فيه حرقته من النزوح و التهجير من المنزل و يلعن سلسبيل أم الحرب على أم حفـ*****((حُذفت لأجل مصلحة الدولة العظمى)) .
لبست سماعة الموبايل و سرحت مع محاضرة مسجلة للدكتور مصطفى محمود رحمه الله عن أينشتيان و نظرية النسبية .. بداءت أفهم النظرية النسبية شيئاً فشئ رغم رائحة الصنان و العرق و الأحذية و الجوارب العفنة التي تملئ السيارة و رحت أهيم مع الدكتر مصطفى في مدى دهاء أينشتاين الذي ربما يكون نسبياً حسب نظريته،شعرت بيد جافة تضرب كتفي لألتفت على يميني و أجد شفاه النازح من سوق الحوت تتحرك أمام وجهي،الشفاه كانت له أما الصوت فكان للدكتور مصطفى محمود حفظ الله سره، ازلت السماعات من أذني لأسمع هذا الأخرق الذي طلب مني ولاعة ليشعل سيجارته .. بحثت عن الولاعة في حقيبتي و لم أجدها..يبدو أنني نسيتها عن مدخل المنزل و أنا خارج .. طلبت من فتى الليثي ولاعة و همت أرسلها لسوق الحوت لينفخ نيكوتينه بعيداً عن أنفي.
نازحوا سوق الحوت هم الأكثر مللاً و ضجراً من بين سكان بنغازي .. يتحدثون عن منطقتهم واقفين على أطلالها و كأنها هي فقط بنغازي و الباقي عبارة عن ضواحي .. أقارن كلامهم قبيل الحرب عندما كان يسبون بورع منطقتهم ويشتكون من كثرة الضجيج و المشاكل و القذارة البشرية التي أصبحت تسكنها أما الأن فيثقلون كاهلنا بأمنياتهم كـ صالتو واحد بشط الشابي او رشفة قهوة من مقهى تيكا أو جلسة مسائية بميدان البلدية او ميدان سوق الحوت.
إن بنغازي ذات الملح و ذات العفن لم ترى يوماً أياماً ملاح أو هكذا تقول الأسطورة .. أو هكذا يقولون من يروون الأسطورة من القيل حتى القال فكانت لهم الأسطورة و كان لنا واقع مغاير لكل الأساطير و كان لبنغازي الملح و البارود و بضع بقع من الدم المجلط.

إنني اليوم أكتب من بنغازي .. و لا أعلم ماذا أكتب .. أو لماذا أكتب .. ما أعلمه أنه سيأتي يومُ أكتب فيه خارج بنغازي .. و لكن عن بنغازي.
ربما سأكتب فيلماً .. أو رواية .. أو رسالة حب لأكسب ود إحداهن .. أو ربما رسالة عزاء لصديق .. أو رسالة وداع لأمي .
أنا إبن بنغازي .. لا أعلم من هو والدي .. ربما أكون إبن زنا .. ربما يكون والدي عسكرياً أو ملكاً أو شيخاً أو ربما جندي إيطالي ضاجع بنغازي بعدما سكر معها بحانة فندق برنيتشي ..لم أخلق من تراب .. بل من رمال .. يجري الماء و الملح في عروقي .. عندما أحب أنا أغني مرسكاوي .. و عندما أتكدر أنا أغني مرسكاوي .. عندما أجوع أكل فاصوليا أو مفروم أو فول بخبز قمح دائري ..

أنا مزيج من البادية و الحضارة.
أنا كرم و جود و مروؤة البادية
و أنا ثقافة و نبغ و وعي الحضارة
حتماً لن أعيش بسعادة
لكن حتماً على ولدي أن يعيش بسعادة.

بلغم

لا أدري .. هل هو بداية أسبوع أم نهاية العالم .. عجاج و عجاج و موت و ظلام و حكومة .. لا طعم للسجائر اليوم ولا متعة في تدخينها .. كذلك القهوة لا كيف في شربها .. بنغازي اليوم ماء ضحل .. لا طعم ولا لون ولا رائحة.
رجال شركة الكهرباء الأشاوس الأبطال الثلوب  الفراسين فروخ النبة لازالوا لايجيدون التعامل مع الأزمات عندما ترتفع درجة الحرارة ولو قليلاً فيحصل الإطفاء العام و تحاصر بنغازي لتغوص في ظلام مبين و يتحججون بضعف الإمكانيات و قلة الموارد.
لماذا تكذبون؟
لماذا لاتنطق ألسنتكم القذرة بالحقيقة لتتحججوا بقلة خبرتكم و ضعف كفائتكم قاصدين بأن الأمر أكبر منكم.
إن حجم المنيكة التي نعانيها أصبحت لاتطاق ..
جميعهم يتمنيكون علينا .. الزبال .. الصراف .. الشرطي ..  الطبيب .. العسكري .. السياسي.
كلهم يمارسون علينا المنيكة و المزايدات كأنهم لا يتحصلون على مقابل لخدمتهم .. ربما لأن أموال فسادهم الإداري و رشاويهم تساوي أضعاف المرتب فلذلك يستحقروننا لأننا لن نجنيهم ماسيجنون إذا عاثوا تحت الطاولة فساداً.

أنا الأن لا أكتب .. أنا الأن أدون .. و أولول .. و أبكي قيحاً و زفرة  .. بلغ السيل الزبى .. بل أنه بلغ “ز**”
ولم تعد لي طاقة لأتحمل ثقل طاقتكم أيها الشعب.

بنغازي أستجديك أن تبيعي القضية .. دعينا نستفيد بمقابل البيعة .. سنشتري منزلاً بالبركة .. ثلاثة أدوار .. سنبني جراجات في الدور الأرضي و نقوم بتأجيرها كمحلات لبيع الملح .. نحن في حاجة للملح .. لأننا شعب سامط .. الدور الأول سنقوم بتأجيره لعائلة صغير .. و نسكن أنا و أنت الدور الثاني .. سأفرح إن ملئتي السطح ببعض الزرعات .. زرعة نعناع .. و زرعة حبق .. و زرعة تيه .. سنعد الشاي في السطح و نضيف له من كل زرعة ورقة لنتمتع بعبقه .. و نشاهد الناس من الأعلى ..  تشيرين لي للسارق لأبصق عليه من فوق السطح.
تشيرين للمرتشي .. أبصق
تشيرين للضال .. أبصق
تشيرين للفاسد .. أبصق
تشيرين للشاذ .. أبصق
تشيرين لي .. فأصفع وجهي بكفي و أستيقض من حلمك.